التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٤ - ١٢ - تحقيق الأمير العلوي
المذهب الثالث: قول من زعم أنّ وجه إعجازه إنّما هو خلوُّه عن المناقضة، وهذا فاسدٌ لأوجه.
أمّا أوّلًا: فلأنّ الإجماع منعقدٌ على أنّ التحدّي واقع بكلّ واحدة من سور القرآن، وقد يوجد في كثير من الخطب والشعر والرسائل، ما يكون في مقدار سورة خاليا عن التناقض، فيلزم أن يكون معجزا.
وأمّا ثانيا: فلأنّه لوكان الأمر كما قالوه في وجه الإعجاز، لم يكن تعجُّبُهم من أجْل فصاحته، وحسن نظمه، ولوجب أن يكون تعجُّبُهم من أجْل سلامته عمّا قالوه، فلمّا علمنا من حالهم خلاف ذلك بطَلَ ما زعموه.
وأمّا ثالثا: فلأنّ السلامة عن المناقضة ليس خارقا للعادات، فإنّه رُبّما أمكن كثيرا في سائر الأزمان، وإذا كان معتادا لم يكن العلمُ بخلُوِّ القرآن عن المناقضة والاختلاف معجزا، لِما كان معتادا، ومن حقّ مايكون معجزا أن يكون ناقضا للعادة.
وأيضا فإنّا نقول: جعلُكم الوجهَ في إعجازه خلوُّه عن المناقضة والاختلاف ليس عِلْما ضروريّا، بل لابدّ فيه من إقامة الدلالة، فيجب على مَنْ قال هذه المقالة تصحيحُها بالدلالة، لتكون، مقبولةً، وهم لم يفعلوا ذلك.
المذهب الرابع: قول من زعم أنّ الوجه في الإعجاز اشتمالُه على الأُمور الغيبيّة بخلاف غيره، وهذا فاسدٌ أيضا لأمرين:
أمّا أوّلًا: فلأنّ الإجماع منعقدٌ على أنّ التحدّي واقعٌ بجيمع القرآن، والمعلومُ أنّ الحِكَمَ والآداب وسائر الأمثال ليس فيها شيء من الأُمور الغيبيّة، فكان يلزم على هذه المقالة أن لا يكون معجزا وهو محال.
وأمّا ثانيا: فلأنّ ما قالوه يكون أعظم عذرا للعرب في عدم قدرتهم على معارضته، فكان من حقّهم أنْ يقولوا: إنّا متمكّنون من معارضة القرآن، ولكنّه اشتمل على مالا يمكنُنا معرفتهُ من الأُمور الغيبيّة، فلمّا لم يقولوا ذلك دلّ على بطلان هذه المقالة.
المذهب الخامس: قول من زعم أنّ الوجه في الإعجاز هو الفصاحة، وفسّر الفصاحة