التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٢ - ١٢ - تحقيق الأمير العلوي
الوجه الثاني: أن تكون تلك الدلالة على جهة الالتزام، وهذا مذهبُ من يقول: إنّ القرآن إنّما كان معجزا لبلاغته، وفسّر البلاغة باشتمال الكلام على وجوه الاستعارة، والتشبيه المضمر الأداة، والفصل، والوَصْل، والتقديم، والتأخير، والحذف، والإضْمار، والإطناب، والإيجاز، وغير ذلك من فنون البلاغة.
الوجه الثالث: أن تكون تلك الدلالةُ من جهة تضمّنه لما يتضمّنه من الأسرار المُودَعة تحت ألفاظه التي لاتزال على وجهِ الدّهر غضَّةً طَرِيَّة يجتليها كلُّ ناظر ويعلُو ذِروتها كلّ خرِّيتٍ ماهِر، فظهر بما لخّصناه من الحصر أنّ كون القرآن معجزا، إمّا أن يكون للصّرْفة، أو للنظم، أو لسلامة ألفاظه من التعقيد، أو لخُلُوّه عن التناقض، أو لأجْل اشتماله على المعاني الدقيقة، أو لاشتماله على الإخبار بالعلوم الغيبية، أو لأجل الفصاحة والبلاغة، أو لما يتركّب من بعض هذه الوجوه أو من كلّها، كما فصّلناه من قبل، ونحنُ الآن نذكر كلّ واحد من هذه الأقسام كلّها، ونبطله سوى ما نختارُه منها واللّه الموفّق.
المبحث الثاني: في إبطال كلّ واحد من هذه الأقسام التي ذكرناها سوى ما نختار منها.
وجملة ما نذكره من ذلك مذاهب:
المذهب الأوّل منها: الصّرْفة، وهذا هو رأي أبي إسحاق النظّام، وأبي إسحاق النصيبي، من المعتزلة واختاره الشريف المرتضى من الإماميّة، واعلم أنّ قول أهل الصّرفة يمكن أن يكون له تفسيرات ثلاثة، لما فيه من الإجمال وكثرة الاحتمال كما سنوضّحه.
(ذكرنا التفاسير الثلاثة عند الكلام عن مذهب الصرفة).
ثمّ قال: وحاصل الأمر في هذه المقالة، أنّهم قادرون على إيجاد المعارضة للقرآن، إلّا أنّ اللّه تعالى منعَهم بما ذكرناه، قال: والذي غَرَّ هؤلاء حتّى زعموا هذه المقالة، مايَروْنَ من الكلمات الرشيقة، والبلاغات الحسنة، والفصاحات المستحسنة، الجامعة لكلّ الأساليب البلاغيّة في كلام العرب الموافقة لما في القرآن، فزعم هؤلاء أنّ كلّ من قدر على ما ذكرناه من تلك الأساليب البديعة، لايقصر عن معارضته، خَلا ما عَرَض من منع اللّه إيّاهم بما ذكرناه من الموانع، والذي يدلّ على بطلان هذه المقالة براهين.