التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩١ - ١٢ - تحقيق الأمير العلوي
يكون على وجهين:
أحدهما: أن يكون مشترطا فيهم اجتماع الكلمات وتأليفها، وهذا هو قول من قال:
الوجهُ في إعجازه هو اختصاصه بالأُسلوب المفارق لسائر الأساليب الشعرية والخَطابيّة، وغيرهما، فإنّه مختصّ بالفواصل والأسجاع، فمن أجل هذا جعلنا هذا الوجه مختصّا بتأليف الكلمات.
وثانيهما: أن يكون إعجازُه لأمر راجع إلى مفردات الكلمات دون مؤلّفاتها، وهذا هو رأيُ من قال: إنّه إنّما صار معجزا من أجل الفصاحة، وفسّر الفصاحة بالبراءة عن الثقل والسّلامة عن التعقيد، واختصاصه بالسلاسة في ألفاظه.
القسم الثاني: أن يكون إعجازُه إنّما كان لأجل الألفاظ باعتبار دلالتها على المعاني، وهذا هو قول من قال: إنّ القرآن إنّما كان معجزا لأجل تضمّنه من الدلالة على المعنى، وهذا القسم يمكن تنزيلُه على أوجه ثلاثة:
الوجه الأوّل: أن تكون تلك الدلالةُ على جهة المُطابَقةِ وفيه مذاهبُ ثلاثة:
أوّلها: أن يكون لأمر حاصل في كلّ ألفاظه، وهذا هو قولُ من قال: إنّ وجه إعْجازه، هو سلامتهُ عن المناقضة في جميع ما تضمّنه.
وثانيها: أن يكون لأمر حاصلٍ في كلّ ألفاظه وأبعاضها، وهذا هو قول من قال: إنّ إعجازَه إنّما كان لما فيه من بيان الحقائق والأسرار، والدقائق ممّا يكون العقلُ مشتغلًا بدَرْكها، فإنّ العلماءَ مِنْ لُدُنْ عَصْرِ الصحابة (رضياللّه عنهم) إلى يومنا هذا ما زالوا يستَنْهِضُون منه كلّ سرٍّ عجيب، ويستنبطون من ألفاظه كلّ معنى لطيف غريب، فهذا هو الوجه في إعجازه على رأي هؤلاء.
وثالثها: أن يكون وجه إعجازه لأمرٍ حاصلٍ في مجموع ألفاظه وأبعاضها، ممّا لايستقلّ بدركه العقل، وهذا هو قول من قال: إنّ الوجه في إعجازه ما تضمّنه من الأُمور الغيبيّة، واللطائف الإلهيّة، التي لا يختصّ بها سوى علّامِها، فهذه هي أقسامُ دلالة المطابقة، تكون على هذه الأوجه الثلاثة التي رمزنا إليها.