التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٢ - ١٥ - الحطيئة العبسي
أشْعر من الحُطَيئة[١] ولكنّه كان دنيء النفس ذا شرٍّ وسفهٍ لارأي له، من الشعراء الذين في كلّ وادٍ يهيمون. كانت العرب تخاف لسانه، كانوا يسترضونه بالمال خوفا من شرّه، فقد كان يستدرّ الناس بتهديدهم بالهجو.
ذكروا أنّه نزل المدينة فجمعوا له من كلّ أهل بيت من قريش والأنصار العشرة والعشرين حتى كانت أربعمائة، وظنّوا أنّهم قد أغنوه، وما أن صارت الجمعة إلّا وهو يستقبل الإمام ماثلًا يُنادي: من يحملني على نعلين ...[٢] هكذا كان يفعل مع كلّ قوم ينزل فيهم وإلّا سلقهم بهجوه.
قال جرجي زيدان: وأكثر هجوه- بعد الإسلام- الذي وصل إلينا، في الزبرقان وبغيض. كان الزبرقان من عمّال عمربن الخطاب، وقد عرف شدّة وطأة الحُطيئة فأحبّ أن يقرّبه فأنزله في قومه وضمن له مؤونة عياله على أن يستصفي له مدحه. وكان بغيض وإخوته ينافسون الزبرقان. فاغتنموا استهانة «امّ شذرة» امّ الزبرقان مرّة بالحُطيئة فدعوه إليهم وأكرموه وبالغوا في إكرامه، فمدحهم بالبيت المشهور الذي رفع رؤوسهم به وهو:
|
قوم هم الأنف، والأذناب غيرهم |
ومن يسوّي بأنف الناقة الذنبا؟ |
|
وكان من هجوه للزبرقان بهذه المناسبة:
|
واللّه ما معشر لاموا امرئا جنبا |
في آل لأيِ بن شمّاسٍ بأكياس |
|
إلى أن يقول:
|
ملّوا قراه وهرّته كلابهم |
وجرّحوه بأنياب وأضراس |
|
|
دع المكارم لاترحل لبغيتها |
واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي |
|
|
من يفعل الخير لايُعدَم جوازيه |
لايذهب العرف بين اللّه والناس |
|
فشكاه الزبرقان إلى عمر، فدعا عمر حسانَبن ثابت، فقال: أتراه هجاه؟ قال: نعم،
[١] - المصدر، ج ١، ص ٣٧٨.
[٢] - وفي رواية: على بغلين. تأريخ آداب اللغة العربية، ج ١، ص ١٦٨- ١٦٩.