التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٥ - مقارنة عابرة
|
لكن وردت هذه اللفظة في قول أبي همام حسنة: |
«عتابك عنّي- لا أبا لك- واقصدي». |
|
فإنّه لمّا كره عتابها اعترض بين الأمر والمعطوف عليه بهذه اللفظة على طريق الذمّ.
الضرب الثالث: الاعتراض المفسد وهو المذموم المخلّ بفهم المقصود فيعقّده تعقيدا، وأمثلة ذلك في باب تقديم ما حقّه التأخير وتأخير ماحقّه التقديم كثيرة، وقد أولع بها الشعراء المتكلّفون، فمن ذلك قول بعضهم:
|
فقد- والشك- بيّن لي- عناء |
بوشك فراقهم، صرد يصيح[١] |
|
قال ابن الأثير: فإنّ هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره لك، وهو الفصل بين قد والفعل الذي هو «بيّن لي» وذلك قبيح لقوّة اتّصال «قد» بالفعل المدخول عليه، بحيث يعدّ جزءً متّصلا به.
وأيضا فصل بين المبتدأ الذي هو الشك وبين الخبر الذي هو عناء بقوله «بيّن لي».
وفصل بين الفعل الذي هو «بيّن» وبين فاعله الذي هو «صرد» بخبر المبتدأ الذي هو عناء، فجاء معنى البيت كما تراه مشوّها ومشوّشا، كأنّه صورة مشوّهة قد نقلت أعضاؤها بعضها إلى مكان بعض.[٢]
وجعل أيضا يمثّل بأبيات شعريّة من العرب القديم، لعلّنا نأتي عليها وعلى أمثالها في سائر أبواب البلاغة والبديع في قسم الدلائل على إعجاز القرآن، وهو القسم الثاني من الكتاب إن شاء اللّه تعالى.
ولعلّني في هذا العرض العريض قد أسهبت وخرجت عن حدّ الاعتدال المتناسب مع وضع الكتاب ... غير أن تحمّسات قوميّة، واخرى سفاسف كلاميّة، ربّما كانت تحاول رفع منزلة كلام العرب الأوائل بما يضاهي سبك القرآن ونظمه البديع ... فكان هذا وذاك من
[١] - أصل تركيب الكلام: فقد بيّن لي صردٌ يصيح بوشك فراقهم، والشك عناء.
[٢] - المثل السائر لابن الأثير، ج ٣، ص ٤٠- ٤٨، و ج ٢، ص ٢٢٧.