التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٤ - مقارنة عابرة
ومغاربها في لحظات!
قال: وأقف بك عند مشهد صغير من تلك المشاهد التي تحفل بها هذه المعلّقة. في هذا المشهد يحدّث امرؤ القيس عن نفسه، حين وقف على أطلال الديار التي كانت يوما ما تضمّ محبوبته فهاج ذلك ذكريّات كثيرة عنده، كان أشدّها يوم ارتحلت مع قومها وهم يرتحلون، فوقف كما يقف المرء على ميّت عزيز له، يقول:
|
كأنّي غداة البين يوم تحمّلوا |
لدى سمرات الحيّ ناقف حنظل.[١] |
|
قال: إنّك تجد من كلّ كلمة من هذا البيت مطلعا من مطالع الروعة، ومدخلًا يدلف بك إلى مشهد من مشاهد الإنسان في صراعه مع عواطفه، فلا تملك من نفسك إلّا أن تعطف على تلك النفوس التي ذهب بها الوجد وأحرقها الأسى!
قلت: ولعلّ صاحبنا هذا هوناقف حنظل هواجسه، فجعل يهذو عن أبيات لاعذوبة فيها ولاروعة ولاجمال، وإنّما هي بيداء قاحلة لاغضاضة فيها ولاطراوة. والمعنى الذي أراده مفهوم عامّ يتصوّره كلّ عامّيّ مسترسل.
*** وذكر ابن رشيق بشأن المبالغة: أنّ الناس مختلفون فيها، فمنهم من يؤثرها ويقول بتفضيلها ويراها الغاية القصوى في الجودة، كما قيل: أشعر الناس من استجيد كذبه[٢] ومنهم من يعيبها وينكرها ويراها عيبا وهُجنة في الكلام.
قال بعض الحذّاق بنقد الشعر: المبالغة ربما أحالت المعنى ولبّسته على السامع، فليست لذلك من أحسن الكلام ولاأفخره، لأنّها لاتقع موقع القبول كما لايقع الاقتصاد وماقاربه، لأنّه ينبغي أن يكون من أهمّ أغراض الشاعر والمتكلّم أيضا الإبانة والإفصاح وتقريب المعنى على السامع، فإنّ العرب إنّما فضّلت بالبيان والفصاحة وحلا منطقها في
[١] - البين: الفراق. والسّمرة: شجرضخم له شوك. وناقف الحنظل: هو الذي يشقّ الحنظل ليخرج ثمره المرّ.
[٢] - نسبه ابن رشيق إلى نابغة بني ذبيان.