التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٦ - عند رجال العلم والأدب المعاصر
عاما ..
كنّا ستة نفر من المنتسبين إلى الإسلام على ظهر سفينةٍ مصريّة تمخر بنا عُباب المحيط الأطلسي إلى نيويورك، من بين عشرين ومائة راكب وراكبة أجانب ليس فيهم مسلم .. وخطر لنا أن نقيم صلاة الجمعة في المحيط على ظهر السفينة! واللّه يعلم، أنّه لم يكن بنا أن نقيم الصلاة ذاتها أكثر ممّا كان بنا حماسة دينيّة إزاء مبشّر كان يزاول عمله على ظهر السفينة، وحاول أن يزاول تبشيره معنا! .. وقد يسّر قائد السفينة- وكان إنجليزيّا- أن نقيم صلاتنا، وسمح لبحّارة السفينة وطهاتها وخدمها- وكلّهم نوبيّون مسلمون- أن يصلّي منهم معنا من لايكون في «الخدمة» وقت الصلاة. وقد فرحوا بهذا فرحا شديدا، إذ كانت المرّة الأُولى التي تقام فيها صلاة الجماعة على ظهر السفينة ...
وقمتُ بخطبة الجمعة وإمامة الصلاة، والركّاب الأجانب- معظمهم- متحلّقون يرقبون صلاتنا! ... وبعد الصلاة جاءنا كثيرون منهم يهنّئوننا على نجاح «القدّاس»!! فقد كان هذا أقصى ما يفهمونه من صلاتنا! ولكن سيّدة من هذا الحشد- عرفنا فيما بعد أنّها يوغسلافيّة مسيحيّة هاربة من جحيم «تيتو» وشيوعيّته!- كانت شديدة التأثّر والانفعال، تفيض عيناها بالدمع ولاتتمالك مشاعرها. جاءت تشدّ على أيدينا بحرارة، وتقول- في إنجليزيّة ضعيفة-: إنّها لاتملك نفسها من التأثّر العميق بصلاتنا هذه ومافيها من خشوع ونظام وروح! .. وليس هذا موضع الشاهد في القصّة ... ولكن ذلك كان في قولها: أيّ لغة هذه التي كان يتحدّث بها «قسّيسكم»! فالمسكينة لاتتصوّر أن يقيم «الصلاة» إلّا قسّيس- أو رجل دين- كما هو الحال عندها في مسيحيّة الكنيسة! وقد صحّحنا لها هذا الفهم! ...
وأجبناها .. فقالت: إنّ اللّغة التي يتحدّث بها ذات إيقاع موسيقي عجيب، وإن كُنت لم أفهم منها حرفا .. ثُمَّ كانت المفاجأة الحقيقيّة لنا وهي تقول: ولكن هذا ليس الموضوع الذي أُريد أن أسأل عنه .. إنّ الموضوع الذي لفت حسّي، هو أنّ «الإمام» كانت ترد في أثناء كلامه- بهذه اللغة الموسيقيّة- فقراتٌ من نوع آخر غير بقيّة كلامه! نوع أكثر موسيقيّة وأعمق إيقاعا .. هذه الفقرات الخاصّة كانت تحدث فيّ رعشة وقشعريرة! إنّها شيء آخر!