التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٥ - عند رجال العلم والأدب المعاصر
وقد جربّت على نفسي: هل هذا التأثير يعود إلى اشتياقي المفرط في فهم معاني القرآن؟ فوجدتُ الجواب: لا، وإن كان اهتمامي بمعرفة معاني القرآن كثيرا، لكنّه ليس هو العامل الوحيد، بل المعاني إذا كانت غير متسلسلة تسلسلًا منطقيّا، وكانت متفرّقة إلى حدّ ما، ليس لها ذلك التأثير والجذبة الملحّة. إنّما هي في جرس الألفاظ وفي روعة الكلمات المنضّدة ذلك النضد البديع، والمنتظمة ذلك النظم العجيب. وفي نظامه الصوتي الغريب، الذي يأخذ بالألباب ويدوّي برنّته ملأ الآفاق.
ويمكن تعليل ذلك بنضد كلماته أوّلًا ذلك النضد الرائع، نضدا يفوق نظم الشعر ويسطو تأثيره على تأثير السحر. وثانيا في استقامة سبكه وتأليف لفظه غير محايد على قواعد اللغة الأصح الأفصح الأفشى. وثالثا جزالة الكلام وسلاسته، في صياغة عذبة يستسيغها كلّ عربيّ صميم وكلّ عارف بأُصول اللغة. إنّ هذه السهوله والسلاسة تجدها في عامّة قصصه وأمثاله وحكمه، وحتى في تشريعاته وأحكامه، بحيث يهشّ لها المسامع ويجلو لها الأذهان، فتراهم وهم يستمعون إليه إلّا وتنطبع ترسيماته على صفحات الأذهان، وهو أثر متبقّ خالد للقرآن مدى الأحقاب.[١]
*** ويُعجبني أن أذكر هنا حادثا طريفا عرض له سيّد قطب أثناء سفرته إلى «نيويورك» على ظهر باخرة، فيها الكثير من الأجانب المسيحيّين. يقول هو عنه:
إنّ الأداء القرآنى يمتاز من الأداء البشري: إنّ له سلطانا عجيبا على القلوب ليس للأداء البشري، حتى ليبلغ أحيانا أن يؤثّر بتلاوته المجرّدة، على الذين لايعرفون من العربّية حرفا .. وهناك حوادث عجيبة لايمكن تفسيرها بغير هذا الذي نقول- وإن لم تكن هي القاعدة- ولكن وقوعها يحتاج إلى تفسير وتعليل .. ولن أذكر نماذج ممّا وقع لغيري، ولكنّي أذكر حادثا وقع لي وكان عليه معي شهود ستّة، وكان ذلك منذ حوالي خمسة عشر
[١] - راجع: كيف عرفت القرآن قرآن را چگونه شناختم ترجمة واقتباس ذبيح اللّه منصوري، ص ٢٥- ٣٢.( انتشارات مجيد- طهران) ط ٣/ ١٣٦٩ ه. ش.