التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٧ - ٣ - محمد عبدالله دراز ونظرته في الجمال التوقيعي والتنسيقي للقرآن * * *
وحده في كفّ أيديهم عنه، بل كان أجدر أن يغريهم به، ذلك أنّ النّاس- كما يقول الباقلّاني- إذا استحسنوا شيئا اتبعوه، وتنافسوا في محاكاته بباعث الجبلّة. وكذلك رأينا أصحاب هذه الصناعة يتبع بعضهم بعضا فيما يستجيدونه من الأساليب، وربّما أدرك اللاحق فيهم شأو السابق أو أربى عليه، كما صنع ابنالعميد باسلوب الجاحظ، وكما يصنع الكتّاب والخطباء اليوم في اقتداء بعضهم ببعض. وما أساليب الناس على اختلاف طرائقها في النثر والشعر إلّا مناهل مورودة ومسالك معبّدة، تؤخذ بالتعلّم، وتراضّ الألسنة والأقلام عليها بالمرانة، كسائر الصناعات.
فما الذي منع الناس أن يخضعوا اسلوب القرآن لألسنتهم وأقلامهم وهم شرع في استحسان طريقته، وأنّ أكثرهم الطالبون لإبطال حجته.
ماذاك إلّا أنّ فيه منعة طبيعيّة كفّت ولا تزال تكفّ أيديهم عنه، ولا ريب أنّ أوّل ما تلاقيك هذه المناعة فيما صوّرناه لك من غريب تأليفه في بنيته، وما اتخذه في رصف حروفه وكلماته وجمله وآياته، من نظام له سمت وحده وطابع خاصّ به، خرج فيه عن هيئة كلّ نظم تعاطاه الناس أو يتعاطونه، فلا جرم لم يجدوا له مثالًا يحاذونه به، ولا سبيلًا يسلكونه إلى تذليل منهجه.
وآية ذلك أنّ أحدا لوحاول أن يدخل عليه شيئا من كلام الناس، من السابقين منهم أو اللاحقين، من الحكماء أو البلغاء أو النبيّين والمرسلين، لأفسد بذلك مزاجه في فم كلّ قارئ ولجعل نظامه يضطرب في اذن كلّ سامع، وإذا لنادى الداخلُ على نفسه بأنّه واغل دخيل، ولنفاه القرآن عن نفسه كما ينفي الكير خبث الحديد. «وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ. لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ».[١]
وأنت إذ لم يلهك جمال الغطاء عمّا تحته من الكنز الدفين، ولم تحجبك بهجة الأستار عمّا ورائها من السرّ المصون، بل فليت القشرة عن لبّها وكشفت الصدفة عن درّها، فنفذت من هذا النظام اللفظي إلى ذلك النظام المعنوي، تجلّى لك ما هو أبهى وأبهر، ولقيت منه ما
[١] - فصّلت ٤١: ٤١- ٤٢.