التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٤ - ٣ - محمد عبدالله دراز ونظرته في الجمال التوقيعي والتنسيقي للقرآن * * *
أن تلامس الأُذن وقبل أن يتأمّل العقل معانيها .. لأنّها تركيب موسيقي يؤثّر في الوجدان و القلب لتوّه ومن قبل أن يبدأ العقل في العمل، فإذا بدأ العقل يحلّل ويتأمّل فإنّه سوف يكتشف أشياء جديدة وسوف يزداد خشوعا .. ولكنّها مرحلة ثانية .. قد تحدّث وقد لا تحدّث وقد تكشف لك الآية عن سرّها وقد لا تكشفه .. وقد تؤتى البصيرة التي تفسّر بها معاني القرآن وقد لا تؤتى هذه البصيرة .. ولكنّك دائما خاشع، لأنّ القرآن يخاطبك أوّلًا كمعمار فريد من الكلام .. بنيان .. فورم .. طراز من الرصف يبهر القلب .. ألقاه عليك الذي خلق اللغة ويعرف سرّها ...».[١]
*** [٣- محمد عبداللّه دَرّاز ونظرته في الجمال التوقيعي والتنسيقي للقرآن***]
٣- وللدكتور محمد عبداللّه دَرّاز، نظرة مشابهة، يجعل من إعجاز القرآن في قشرته السطحيّة، في جانبي جماله التوقيعي وجماله التنسيقي، إلى جنب محتواه من جلائل أسرار. فإنّه جلّت قدرته أجرى سنّته في نظام هذا الكون أن يغشى جلائل أسراره بأستار زاهية بمتعةٍ وجمالٍ.
قال: إنَّك إذا استمعت إلى القارئ المُجوّد يقرأ القرآن يرتّله حقّ ترتيله، نازلًا بنفسه على هوى القرآن، وليس نازلًا بالقرآن على هوى نفسه ... ستجد اتساقا وائتلافا يسترعي من سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر، على أنّه ليس بأنغام الموسيقى ولا بأوزان الشعر. وستجد شيئا آخر لاتجده في الموسيقى ولا في الشعر. ذلك أنّك تسمع القصيدة من الشعر فإذا هي تتشابه أهواؤها وتذهب مذهبا متقاربا. فلا يلبث سمعك أن يمجّها، وطبعك أن يملّها، إذا اعيدت وكرّرت عليك بتوقيع واحد، بينما أنت من القرآن أبدا في لحن متنوّع متجدّد، تنقل فيه بين أسباب وأوتاد وفواصل[٢] على أوضاع مختلفة يأخذ
[١] - القرآن، محاولة لفهم عصري، لمصطفى محمود- دار المعارف بمصر- سنة ١٩٧٦. فصل المعمار القرآني، ص ١٢- ١٩.
[٢] - مصطلحات موسيقية: الحرف المتحرّك يتلوه حرف ساكن يقال لها« سبب خفيف»، والحرفان المتحرّكان يتلوهما ساكن« وتد مجموع»، والحرفان المتحرّكان لايتلوهما ساكن« سبب ثقيل»، والحرفان المتحرّكان يتوسّطهما ساكن« وتد مفروق»، وثلاثة أحرف متحرّكة« فاصلة صغيرة»، وأربعة أحرف متحرّكة يعقبها ساكن« فاصلة كبيرة».