عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام - النراقي، المولى احمد - الصفحة ٤٠٤ - المفسدة الرابعة
بظن لا دليل قطعيا على المنع منه؟
فإن قلت: لمّا أثبتنا حجية تلك الظنون، فإنها تكون أدلة قطعية.
قلنا: كان كلامنا أولا معك في ذلك أيضا، و كنت تقول: لمّا أثبتنا حجية الظن بالواقع، فلا نأخذ بهذا الظن، فلم صارت القضية بالعكس حينئذ؟ و أيضا أنت أثبتّ حجية الظن بالواقع قطعا، فلم تتركه؟ و أيضا أنت أثبتّ حجية كل ظن، فكيف تأخذ بدليل ظني ظن المنع منه؟
فإن قلت: لو دل دليل ظني على المنع من العمل بظن، لا يبقى الظنان معا، بل يتعارضان، و يبقى الأقوى منهما.
قلنا: ذلك من غرائب الأقوال، فإنه لو شهد عندك ثلاثة عدول من العلماء الصلحاء بأنا رأينا زيدا يزني بهند، و شاهدناه كالميل في المكحلة، فلا يحصل لك الظن بزناء زيد، من جهة أن الشارع نهى عن العمل بشهادة ثلاثة شهود في الزنا؟
و لو كان كذلك، فما معنى اللوث في القسامة؟ و كذا ما معنى ما يقوله الفقهاء في كثير من المواضع: إنه يشترط فيه العلم، و لا يعتبر الظن، فإنه يرتفع الظن؟
و يلزمك أنك إذا قلت باشتراط مضي العمر الطبيعي في الحكم بموت الغائب، لا يحصل لك الظن بموته أبدا، بل كنت أبدأ إما عالما بحياته أو بموته. و إذا لاحظت آية النبإ لم يحصل لك الظن من خبر الفاسق أبدا، و من لا يقول بحجية الشهرة لا يحصل له منها الظن، و فساد ذلك أظهر من الشمس و أبين من الأمس.
و إن كان المراد الاحتمال الثالث، أي حجية كل ظن لم يكن على المنع منه دليل مطلقا، لا قطعي و لا ظني، يلزم منه عدم حجية ظن لم يكن على حجيته بخصوصه دليل، إذ الآيات الكثيرة، و الأخبار العديدة، و الإجماعات المنقولة صريحة في عدم حجية الظن، كما ذكرناها في كتبنا المبسوطة، و هذه أدلة ظنية على عدم حجية كل ظن، خرج من تحتها ما خرج بالدليل العلمي، فيبقى الباقي.