عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام - النراقي، المولى احمد - الصفحة ٣٩٠ - الثالث العمل بالتخيير
و من عجائب الأحوال أنك تقول: إنه ليست حجية الإجماع إلّا لكشفه عن قول المعصوم، و تعلم قطعا عند تعارض الأمارتين الشرعيتين: أن قول المعصوم ليس إلّا واحدا منهما معينا، دون التخيير، و مع ذلك حكم المعصوم في حق من لا يترجح أحدهما عنده بالتخيير.
فلم لم يجز [١] التخيير في سائر الوقائع التي لا يفهم حكمها؟ و إن لم يقل به فيها غيره من العلماء.
و أعجب منه و أغرب، أنه يقول: إنّ القول بالتخيير موجب للهرج و المرج.
أيها المسكين لو كان في عصر مجتهدون متعددون، اختار كل منهم في هذه الوقائع قولا، أ ليس العوامّ مخيرين في اختيار كل من هذه الأقوال؟
بل على القول بجواز تقليد الأموات أ ليس الكل في كل هذه الوقائع مخيرين في الأخذ بما أرادوا من هذه الأقوال المختلفة، لا سيما على القول بجواز الرجوع عن التقليد، فكيف لا يلزم حينئذ هرج و مرج، و لو قلنا بهذا التخيير بعينه لعدم ثبوت حجية دليل بعينه، يلزم الهرج و المرج؟! مع أنه لا ضرر في أن يكون التخيير لهذا المجتهد خاصة، و ما اختاره من الاحتمالات يفتي به لسائر الناس.
و أعجب من ذلك أيضا و أغرب، أنه قال: لو لم يثبت ذلك الإجماع، لم يثبت إجماع في مسألة، فإنه لا كلام لأحد هنا في ثبوت الإجماع، و لكن نقول:
إنه يثبت تارة بالإجماع أن الإمام حكم بهذا الحكم المعين، و يكون الإجماع حينئذ دليلا على هذا الحكم المعين، و اخرى أن الإمام حكم بأحد هذين الحكمين معينا، و لكن لا يعلم بعينه، و فائدة الإجماع حينئذ أنه لا يمكن التجاوز عن هذين الحكمين، و يحدث قولا ثالثا، و لكن لا يلزم أن يؤخذ بأحد الحكمين معينا البتة، و لذا ترى بناء الفقهاء في مثل هذه الموارد على التخيير، بل قال الإمام بنفسه: أنك في مثل ذلك مخير، مع أنه كان حكمي معينا.
[١] في «ج»: يجر.