عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام - النراقي، المولى احمد - الصفحة ١٩ - الكلام في صحة التمسك بآية الوفاء
الأول: أنه و إن كان مقتضى الجمع المحلّى باللام كونه مفيدا للعموم، و لكن يخدشه في الآية أمران:
أحدهما: أنا قد ذكرنا في كتبنا الأصولية [١]: أنّ الثابت من أصالة الحقيقة إنما هو إذا لم يقترن بالكلام- حين التكلم به- ما يوجب الظن بعدم إرادة الحقيقة، أي لم يقترن به ما يظن كونه قرينة للصرف عن الحقيقة، بل لم يقترن ما يصلح لكونه قرينة.
و مما لا شك فيه: أنّ تقدّم طلب بعض أفراد الماهية أو الجمع المحلّى على الطلب [٢] باللفظ الدال على الماهية، أو بالجمع [٣]، مما يظن معه إرادة الأفراد المتقدّمة، و لا أقل من صلاحية كونه قرينة لإرادتها، ألا ترى أنّه إذا قال مولى- في داره عشرون بيتا، و له عشرون ثوبا- لعبده: اكنس كل يوم البيت الفلاني، و الفلاني، و الفلاني، إلى خمسة بيوت مثلا، و اغسل كل يوم الثوب الفلاني، و الفلاني، إلى خمسة أثواب، ثم قال له في يوم: اكنس البيوت و اغسل الثياب، ثم اذهب إلى السوق؛ يظن، بل يفهم إرادة البيوت و الثياب المعهودة، دون العموم.
و على هذا فنقول: إنّ تلك الآية في سورة المائدة، و هي على ما ذكره المفسّرون آخر السور المنزلة [٤] في أواخر عهد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) [٥]، و لا شك أنّ قبل نزولها قد علم من الشارع وجوب الوفاء بطائفة جمّة من العقود، كالعقود التي بين اللّه سبحانه و بين عباده، من الإيمان به و برسله و كتبه، و الإتيان بالصلاة و الصيام و الزكاة و الحج و الجهاد و غيرها، بل بعض العقود التي بين الناس بعضهم مع
[١]: انظر مناهج الأحكام: ١٤، الفصل الرابع في الحقيقة و المجاز.
[٢]: في «ه»: على طلب الطلب.
[٣]: في «ج»: أو الجمع، و في «ه»: أو بالجميع.
[٤]: في «ب»، «ج» زيادة: أو من المنزلة.
[٥]: قال أبو ميسرة: المائدة من آخر ما نزل ليس فيها منسوخ (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦: ٣٠)، و نقله عنه و عن ابن عمر و ضمرة بن جبيب و عطية بن قيس في الدر المنثور ٢: ٢٥٢.