عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام - النراقي، المولى احمد - الصفحة ١٨٦ - البحث الثالث مراتب التكاليف المتصورة عقلا أربعة
و مما يدل على ذلك: قوله سبحانه وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ، يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [١] فإن التعليل دلّ على أن الصوم مع المرض و في السفر عسر، و أنه في أيام أخر خالية عن المرض و السفر يسر.
ثم إنّ المرتبة الثانية- و هو العسر كما أشرنا إليه- أعم مطلقا من الضيق، فإنّ كل ضيق عسر، و لا عكس، فإن من حمّل عبده بشرب دواء كريه في يوم مثلا يقال: إنه يعسر عليه، و لا يقال: إنه في ضيق، أو ضيّق عليه مولاه.
و كذا من يكون منتهى طاقته حمل مائة رطل، إذا أمر بحمل تسعين مثلا، و نقله إلى فرسخ يقال: إنه يعسر عليه، و لكن لا يقال: إنه في الضيق. نعم لو أمر بحمله و نقله كل يوم، يقال: إنه ضيّق عليه.
و كذا يصح أن يقال: إن التوضؤ بالماء البارد في اليوم الشديد البرد مما يعسر، و لكن لا يقال: إن المكلف في ضيق من ذلك.
و النسبة بين هذه المرتبة و المرتبة الرابعة التباين، إذ لا يطلق العسر إلّا على ما يمكن فعله، فما لا يمكن لا يقال: إنه يعسر.
و المرتبة الثالثة أعم مطلقا من الرابعة، إذ كل ما لا يقدر عليه ضيق، و لا عكس.
ثم إنه لا كلام لنا في هذا المقام في المرتبتين: الاولى و الأخيرة، فإنّ الأولى مما لا ريب في جواز التكليف بها و تحققه، و لا شيء هنا يعارض جوازه.
كما أنّ التكليف بالأخيرة منتف عندنا عقلا و شرعا، بل انتفاؤه يعم الشرائع كلها، و ليس انتفاؤه من باب الأصل، حتى يجوز الخروج عنه بدليل، بل تحققه مطلقا غير جائز.
و إنما الكلام في المرتبتين: الثانية و الثالثة.
[١] البقرة ٢: ١٨٥.