عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام - النراقي، المولى احمد - الصفحة ٤٢١ - دلالة وجهين آخرين حدسي وجداني و إلزامي على عدم حجية مطلق الظن
و الحاصل: أن الظن لو كان هو الحجة في الأحكام، لوجب أن يوجد في كلام الحجج من الأمر بالأخذ به عين أو أثر.
فإن قيل: لا شك في أن كل مجتهد مكلف بمقتضى عقله، فإذا أداه الدليل العقلي إلى حجية كل ظن، يكون مكلفا بالعمل به قطعا.
قلنا: ليس مرادنا نفي حجية العقل، بل المراد نفي حكمه بذلك- بعد ملاحظة ما ذكرناه- ضرورة.
و أما الجواب عن قول الخصم هنا بأنه: فما الذي بيّنه لنا و أودعه عندنا، فهو: أنه كتاب اللّه سبحانه، و الأخبار المدونة و الروايات المنسوبة إليهم.
فإن قيل: لو كانا حجتين، لوجب عليهم بيان ذلك، و نصب دليل عليه.
قلنا: أما كتاب اللّه فلا تحتاج حجيته و بيان ذلك إلى دليل، و لو كان هو محتاجا إلى دليل، لكان قول المعصوم أيضا كذلك، فإن قول اللّه سبحانه حجة.
و أما الأخبار: فيكفي في بيان حجيتها وصولها إلينا منهم خلفا عن سلف، و يدا عن يد من الأمناء الفضلاء الثقات، الذين هم متكفلي أيتام الأئمة، و حججهم على الرعية، و هذا دليل واضح و منار لائح على أنهم جعلوها أدلة لنا، و مسالك لأجلنا.
و ثانيا: إنك هل تزعم أنهم ما بيّنوا وجوب اتّباعها لنا، و لزوم الأخذ بها؟ فما هذه الروايات المتواترة معنى، المملوءة منها كتب أصحابنا، الدالة على الحث على الرواية، و حفظها و نشرها، و الآمرة بأخذها، و الناهية عن ردها، و المادحة للعاملين بها و لرواتها، و المتضمنة لعلاج التعارض فيها؟
و ما هذا التطابق من العلماء الأقدمين، و الفضلاء اللاحقين في التمسك بها، و الأخذ بمضامينها، و ضبط معانيها، و نقد رجالها، و وضع علم الدراية للعلم بأوصافها، و علم الرجال لمعرفة رواتها، و الإجازة التي لا يخلو عالم منها، مع توفّر الدواعي على كتمانها، و اشتداد التقية في نشرها، و العمل بها، سيما في العصر الأول، و الصدر الأقدم؟