تحقيق الأصول - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ١٤٥ - قول المحقق العراقي بعدم الفساد
ففيه: إن مجرّد وجود المصلحة في العمل غير كافٍ لصلاحيته للمقربيّة، لحكم العقل- و هو الحاكم في باب المقربيّة و المبعّدية- بأنها إنّما تصلح للمقربيّة في حال كونها غرضاً للمولى، بأنْ تكون منشأً لأمره بالعمل أو يتعلّق بها غرضه، و إلّا، فإن مجرّد واجديّة العمل للمصلحة لا تصيّره مقرّباً من العمل. هذه هي الكبرى. و في مقامنا: لا شكّ في أنه مع وجود النهي التحريمي عن العمل تكون المصلحة الموجودة فيه ساقطة عن كونها غرضاً للمولى، بل يكون النهي كاشفاً عن وصول المفسدة إلى حدّ الغرضية، فيكون غرضه هو الانزجار عنه لا الانبعاث إليه ....
و الحاصل: إنه مع تسليم ما ذكره من عدم المنافاة بين المصلحة و النهي نقول: عند ما يقوم النهي عن العمل تكون الفعلية للمفسدة، و المصلحة من حيث الغرض على حدّ الشأنية، و إذا وصلت المفسدة إلى الفعلية كان غرض المولى هو الانزجار عن العمل المنهي عنه، و ما يكون كذلك فلا يصلح للمقربيّة.
و أمّا في القسم الثاني من كلامه، و هو تمشي قصد القربة من المكلَّف مع جهله بالنهي، فيتّضح ما فيه مما ذكرناه في القسم الأوّل، لأنّ مجرّد قصد القربة و تمشّيه غير كافٍ، بل لا بدّ قبل ذلك من صلاحية العمل للمقربيّة، و العمل الذي تعلَّق به النهي و كان الانزجار عنه هو الغرض من المولى، غير صالح للمقربيّة، فلا يكون عبادةً، إذ كيف يكون عبادةً و هو مبغوض فعلًا و إن كان محبوباً في عالم الشأنية؟
و على هذا الأساس نقول ببطلان العبادة في باب اجتماع الأمر و النهي بناءً على الامتناع، و أنّ الجهل بالنهي لا يكون مناطاً للصحّة، لأنه قد قصد التقرب إلى المولى بما هو مبغوض عنده، غاية الأمر يكون معذوراً بسبب الجهل، نظير ما إذا قتل ابن المولى بقصد القربة إليه جاهلًا بكونه ابنه و زاعماً أنه عدوّ له، فإنّ العمل مبغوض للمولى و إن كان ذا حسنٍ فاعلي.