الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٠٦ - تأويل خبر
و التأويل الأوّل يشهد له آخر الخبر و هو قوله: «و ابدأ بمن تعول» ، و يشهد له الحديث الآخر أيضا: «إنّما الصدقة عن ظهر غنى» .
و قوله: «اليد العليا خير من اليد السّفلى» ، قال قوم: يريد أنّ اليد المعطية خير من الآخذة، و قال آخرون: إنّ العليا هى الآخذة، و السفلى هى المعطية.
و قال ابن قتيبة: و لا أرى هؤلاء إلاّ قوما استطابوا السؤال؛ فهم يحتجّون للدناءة؛ و لو كان هذا يجوز لقيل: إن المولى من فوق هو الّذي أعتق، و المولى من أسفل هو الّذي أعتق، و الناس إنّما يعلون بالعطايا لا بالسؤال.
قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و عندى أن معنى قوله عليه السلام: «اليد العليا خير من اليد السّفلى» غير ما ذكر من الوجهين جميعا؛ و هو أن تكون اليد هاهنا هى العطية و النعمة؛ لأنّ النعمة قد تسمّى يدا فى مذهب أهل اللسان بغير شكّ؛ فكأنه صلى اللّه عليه و آله أراد أنّ العطية الجزيلة خير من العطية القليلة. و هذا حث منه صلى اللّه عليه و آله على المكارم، و تحضيض على اصطناع المعروف بأوجز الكلام و أحسنه مخرجا.
و يشهد لهذا التأويل أحد التأويلين [١] المتقدمين فى قوله: «ما أبقت غنى» ، و هذا أشبه و أولى من أن تحمل اليد على الجارحة؛ لأنّ من ذهب إلى ذلك و جعل المعطية خيرا من الآخذة لا يستمرّ قوله؛ لأنّ فيمن يأخذ من هو خير عند اللّه تعالى ممّن يعطى؛ و لفظة «خير» لا تحمل إلاّ على الفضل فى الدين و استحقاق الثواب؛ فأمّا من جعل الآخذة خيرا من المعطية فيدخل عليه هذا الطعن أيضا؛ مع أنّه قد قال قولا شنعا [٢] ، و عكس الأمر على ما ذكر [٣] ابن قتيبة.
فإن قيل: كيف يصحّ تأويلكم مع قوله عليه السلام: «خير الصّدقة ما أبقت غنى» و هى [٤] لا تبقى غنى إلاّ بعد أن تنقص من غيرها؟و إذا كانت العطية التى هى أجزل
[١] من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «أحد الخبرين» .
[٢] م: «شنيعا» .
[٣] م: «ما قال» .
[٤] ت: «فهى» .