الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٢٧ - تأويل آية
فإن قيل: ما وجه تسمية الغيب بأنه نفس؟قلنا: لا يمتنع أن يكون الوجه فى ذلك أنّ نفس الإنسان لما كانت خفيّة الموضع نزّل ما يكتمه و يجتهد فى ستره منزلتها، و سمّى باسمها، فقيل فيه إنه نفسه، مبالغة فى وصفه بالكتمان و الخفاء؛ و إنما حسن أن يقول تعالى مخبرا عن نبيه: وَ لاََ أَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِكَ من حيث تقدم قوله: تَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِي ؛ ليزدوج الكلام، و لهذا لا يحسن ابتداء أن يقول: أنا لا أعلم ما فى نفس اللّه تعالى، و إن حسن على الوجه الأول؛ و لهذا نظائر فى الاستعمال مشهورة مذكورة.
فأما الخبر الّذي ذكره السائل فتأويله ظاهر، و هو خارج على مذهب للعرب فى مثل هذا الباب معروف؛ و معناه أنّ من ذكرنى فى نفسه جازيته على ذكره لى، و إذا تقرّب إلى شبرا جازيته على تقرّبه إلى؛ و كذلك الخبر إلى آخره، /فسمّى المجازاة على الشيء باسمه اتساعا، كما قال تعالى: وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا ، [الشورى: ٤٠]؛ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اَللََّهُ ؛ [الأنفال: ٤٠]، اَللََّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ، [البقرة: ١٥]؛ و كما قال الشاعر [١] :
ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا
و نظائر هذا كثيرة فى كلام العرب. و لما أراد تعالى المبالغة فى وصف ما يفعله به من الثواب و المجازاة على تقرّبه بالكثرة و الزيادة؛ كنّى عن ذلك بذكر المسافة المتضاعفة فقال: «باعا و ذراعا» ، إشارة إلى المعنى من أبلغ الوجوه و أحسنها.
[١] هو عمرو بن كلثوم؛ و البيت من المعلقة ص ٢٣٨-بشرح التبريزى.
غ