الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٠١ - تأويل آية
هاتين الجهتين قبلتين، و اعتقدوا فى الصلاة إليهما أنهما/برّ و طاعة خلافا على الرسول صلى اللّه عليه و آله أكذبهم اللّه تعالى فى ذلك، و بيّن أن ذلك ليس من البر، إذ كان منسوخا بشريعة النبي صلى اللّه عليه و آله؛ التى تلزم الأسود و الأبيض، و العربى و العجمىّ، و أن البرّ هو ما تضمنته الآية.
فأما إخباره «بمن» ففيه وجوه ثلاثة:
أولها أن يكون معنى «البرّ» هاهنا البارّ و ذا البرّ، و جعل أحدهما فى مكان الآخر؛ و التقدير:
و لكنّ البارّ من آمن باللّه؛ و يجرى ذلك مجرى قوله تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مََاؤُكُمْ غَوْراً ؛ [الملك: ٣٠]، يريد غائرا، و مثل قول الشاعر:
ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت # فإنما هى إقبال و إدبار [١]
أراد أنها مقبلة مدبرة، و مثله:
تظلّ جيادهم نوحا عليهم # مقلّدة أعنّتها صفونا [٢]
أراد نائحة عليهم، و مثله قول الشاعر:
هريقى من دموعهما سجاما # ضباع [٣] و جاوبى نوحا قياما
و الوجه الثانى أن العرب قد تخبر عن الاسم بالمصدر و الفعل، و عن المصدر بالاسم، فأمّا إخبارهم عن المصدر بالاسم فقوله تعالى: وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ ، و قول العرب: إنما البرّ الّذي يصل الرحم و يفعل كذا و كذا، و أما إخبارهم عن الاسم بالمصدر و الفعل فمثل قول الشاعر:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى # و لكنّما الفتيان كلّ فتى ند [٤]
[١] البيت الخنساء؛ ديوانها: ٧٨، و الكامل-بشرح المرصفى ٨: ١٧٦، و اللسان ١٩:
١٣٥، و تاج العروس ٨: ٧٣، و خزانة الأدب ١: ١٣٨، و هو فى وصف بقرة وحشية، و قبله:
فما عجول على بو تطيف به # لها حنينان إصغار و إكبار
.
[٢] البيت لعمرو بن كلثوم؛ من المعلقة-بشرح التبريزى: ٢١٧؛ و انظر ص ١٠٥ من هذا الجزء.
[٣] ضباع: اسم امرأة؛ و أصله: «ضباعة» .
[٤] فى حاشيتى الأصل، ف: «مقرر-