الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨ - تأويل خبر
قال أبو محمد عبد اللّه بن مسلم بن/قتيبة: وجه الحديث خلاف ما قاله أبو عبيد، و لم يرد إلا الفقر فى الدّنيا؛ و معنى الخبر أن من أحبّنا فليصبر على التقلّل من الدنيا و التقنّع فيها، و ليأخذ نفسه بالكفّ عن أحوال الدنيا و أعراضها؛ و شبّه الصبر على الفقر بالتّجفاف أو الجلباب؛ لأنه يستر الفقر كما يستر الجلباب أو التّجفاف البدن. قال: و يشهد لصحة هذا التأويل ما روى عنه عليه السلام أنه رأى قوما على بابه، فقال: يا قنبر، من هؤلاء؟فقال له قنبر: هؤلاء شيعتك، فقال: ما لي لا أرى فيهم سيما [١] الشيعة؟قال:
و ما سيما الشّيعة؟قال: خمص البطون من الطّوى، يبس الشفاه من الظّما، عمش العيون من البكاء؛ هذا كله قول ابن قتيبة.
و الوجهان جميعا فى الخبر [٢] حسنان؛ و إن كان الوجه الّذي ذكره ابن قتيبة أحسن و أنصع [٣] .
و يمكن أن يكون فى الخبر وجه ثالث تشهد بصحته اللّغة؛ و هو أن أحد وجوه معنى لفظة الفقر أن يحزّ أنف البعير حتى يخلص إلى العظم أو قريب منه، ثم يلوى عليه حبل، يذلّل بذلك الصّعب، يقال: فقره يفقره فقرا إذا فعل ذلك به، و بعير مفقور و به فقرة، و كلّ شيء حززته و أثّرت فيه فقد فقّرته تفقيرا؛ و منه سمّيت الفاقرة [٤] ، و قيل سيف مفقّر [٥] ؛ فيحمل [٦] القول على أنه عليه السلام أراد [٦] : من أحبّنا فليزمّ نفسه و ليخطمها و ليقدها إلى الطاعات، و يصرفها عمّا تميل طباعها إليه من الشّهوات، و ليذللها على الصّبر عما كره منها، و مشقة ما أريد منها [٧] ؛ كما يفعل ذلك بالبعير الصّعب؛ و هذا وجه فى الخبر ثالث لم يذكر، و ليس يجب أن يستبعد حمل الكلام على بعض ما يحتمله إذا كان له شاهد
[١] حاشية ت (من نسخة) : «سيمياء» ، و فى حاشية الأصل: «سيما و سيمياء بمعنى» .
[٢] حاشية ت (من نسخة) : «فى هذا الخبر» .
[٣] فى حاشيتى الأصل، ف: «نصع الخضاب، أى لمع و صار سواده براقا ناصعا» .
[٤] حاشية الأصل: «الفاقرة: الداهية؛ و إنما سميت بذلك لأنها كاسرة فقار الظهر، من قولهم فقره، إذا أصاب فقار ظهره» .
[٥] فى حاشيتى الأصل، ف:
«السيف المفقر: الّذي فى متنه حزوز أى خطوط منقورة» .
(٦-٦) ت: «فيحتمل القول أن يكون عليه السلام أراد» .
[٧] ط، م: «بها» .
غ