الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٦٣٥
و بعد، فلو سلّم لابن قتيبة أنّ المراد بالعرض فى كلّ المواضع التى ذكرناها النفس دون السّلف، أو سلّم له ذلك فى بيت حسان خاصة؛ فإنه أقرب إلى أن يكون المراد به ما ذكره لم يقدح فيما ذكرناه؛ لأنا لم نقل: إن العرض مقصور على سلف الإنسان، بل ذكرنا أنه موضع الذم و المدح من الإنسان، و لا فرق بين سلفه و نفسه؛ فكيف يكون الاحتجاج بما المراد بالعرض فيه النفس طعنا علينا، و إنما ينفع ابن قتيبة أن يأتى بما يدلّ على أن العرض لا يستعمل إلاّ فى النفس دون السّلف، و كل شيء فيما المراد بالعرض فيه النفس، أو المراد به السلف فهو مؤكّد لقولنا فى أنّ هذه اللفظة مستعملة فى موضع الذمّ و المدح من الإنسان؛ و إنما يكون ما استشهدنا به، و ما جرى مجراه؛ مما يدلّ على استعمال لفظة «العرض» فى السّلف حجة على ابن قتيبة؛ لأنه قصر معناها على النفس و الذات، دون السلف؛ و هذا واضح بيّن بحمد اللّه.
***
أخبرنا أبو عبيد اللّه محمد بن عمران المرزبانىّ قال حدثنا محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال: كان أبو عبيدة/معمر بن المثنّى صفريا [١] ، و كان يكتم ذلك؛ فأنشدنى لعمران بن حطّان [٢] :
[١] فى حاشيتى الأصل، ف: «الصفرية: جنس من الخوارج، سموا بذلك لاصفرار وجوههم؛ و قيل: نسبوا إلى رجل اسمه صفار» .
[٢] هو أبو سماك عمران بن حطان بن ذبيان السدوسى؛ رأس القعدة من الصفرية، و خطيبهم و شاعرهم، أدرك جماعة من الصحابة و روى عنهم، ثم لحق بالشراة، فطلبه الحجاج فهرب إلى الشام، فطلبه عبد الملك بن مروان ففر إلى عمان، و لما طال عمره قعد عن الحرب، و اكتقى بالتحريض و الدعوة بشعره؛ و توفى سنة ٨٤. و هذه الأبيات يقولها فى رثاء أبى بلال مرداس بن أدية؛ و كان قد قتل فى إمارة عبيد اللّه بن زياد، سنة ٦١؛ و هى برواية أبى العباس المبرد:
يا عين بكّى لمرداس و مصرعه # يا ربّ مرداس اجعلنى كمرداس
تركتنى هائما أبكى لمرزئتي # فى منزل موحش من بعد إيناس
أنكرت بعدك ما قد كنت أعرفه، # ما الناس بعدك يا مرداس بالناس
إمّا شربت بكأس دار أوّلها # على القرون فذاقوا جرعة الكاس
فكلّ من لم يذقها شارب عجلا # منها بأنفاس ورد بعد أنفاس
و انظر الإصابة ٥: ٨١، و الكامل-بشرح المرصفى ٧: ٨٣.
غ