الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٩٠ - تأويل آية
التصرّف فى غيره لكان فعل المكره حسنا، و إن كان فعل المكره قبيحا. و هذه الجملة تبيّن ألاّ ظاهر فى الآية [١] يقتضي ما عنده؛ و أنه لا بدّ من تقدير محذوف يتعلق بالسّجن؛ و ليس لهم أن يقدّروا ما يرجع إلى الحابس من الأفعال؛ إلاّ و لنا أن نقدّر ما يرجع إلى المحبوس؛ و إذا احتمل الكلام الأمرين، و دلّ الدليل على أنّ النبىّ عليه السلام لا يجوز أن يريد المعاصى و القبائح اختصّ المحذوف المقدّر بما يرجع إليه مما ذكرناه، و ذلك طاعة لا لوم على مريده و محبّه.
فإن قيل: كيف يجوز أن يقول: اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمََّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ، و هو لا يحبّ ما دعوه جملة؛ و من شأن هذه اللفظة أن تدخل بين ما وقع [٢] فيه اشتراك فى معناها؛ و إن فضّل البعض على البعض؟
قلنا: قد تستعمل هذه اللفظة فى مثل هذا الموضع؛ و إن لم يكن فى معناها اشتراك على الحقيقة، أ لا ترى أنّ من خيّر بين ما يحبه و ما يكرهه جائز أن يقول: هذا أحبّ إلى من هذا، و إن لم يجز مبتدئا أن يقول من غير أن يخيّر: هذا أحبّ إلى من هذا، إذا كان لا يحبّ أحدهما جملة!
و إنما يسوغ ذلك على أحد الوجهين دون الآخر؛ من حيث كان المخيّر بين الشيئين لا يخيّر بينهما إلاّ و هما مرادان له، أو مما يصحّ أن يريدهما، فموضوع التخيير يقتضي ذلك، و إن حصل فيما ليس هذه صفته، و المجيب على [٣] هذا متى قال: كذا أحبّ إلى من كذا كان مجيبا على ما يقتضيه موضوع التخيير، و إن لم يكن الأمران يشتركان فى تناول محبته.
و ما يقارب ذلك قوله تعالى: قُلْ أَ ذََلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ اَلْخُلْدِ ؛ [الفرقان: ١٥]، و نحن نعلم ألاّ خير فى العقاب؛ و إنما حسن ذلك لوقوعه موقع التوبيخ و التقريع على اختيار
[١] حاشية ف (من نسخة) : «للآية» .
[٢] حاشية ف (من نسخة) : «يقع» .
[٣] حاشية ف (من نسخة) : «عن هذا» .