الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٠٣ - تأويل آية
فيقال له: لم ينف عودهم إليها على كل وجه؛ و إنما نفى العود إليها مع كونها منسوخة منهيّا عنها؛ و الّذي علّقه بمشيئة اللّه تعالى من العود إليها هو بشرط أن يأمر بها، و يتعبّد بمثلها، و الجواب مستقيم لا خلل فيه.
و ثانيها أنّه أراد أنّ ذلك لا يكون أبدا من حيث علّقه بمشيئة اللّه تعالى لمّا كان معلوما أنّه لا يشاؤه؛ و كلّ أمر علّق بما لا يكون فقد نفى كونه على أبعد الوجوه؛ و تجرى الآية مجرى قوله تعالى: لاََ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ حَتََّى يَلِجَ اَلْجَمَلُ فِي سَمِّ اَلْخِيََاطِ ؛ [الأعراف: ٤٠] و كما يقول القائل: أنا لا أفعل كذا حتى يبيضّ القار؛ أو يشيب الغراب؛ و كما قال الشاعر:
و حتّى يئوب القارظان كلاهما # و ينشر فى القتلى كليب لوائل [١]
و القارظان لا يئوبان أبدا، و كليب لا ينشر أبدا؛ فكأنه قال: إنّ هذا لا يكون أبدا.
و ثالثها/ما ذكره قطرب بن المستنير من أنّ فى الكلام تقديما و تأخيرا، و أنّ الاستثناء من الكفار وقع لا من شعيب؛ فكأنه تعالى قال حاكيا عن الكفار: لَنُخْرِجَنَّكَ يََا شُعَيْبُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنََا ؛ [الأعراف: ٨٨]، إلاّ أن يشاء اللّه أن تعود فى ملّتنا؛ ثم قال تعالى حاكيا عن شعيب: وَ مََا يَكُونُ لَنََا أَنْ نَعُودَ فِيهََا على كل حال.
و رابعها أن تعود الهاء التى فى قوله: فِيهََا إلى القرية لا إلى الملّة؛ لأن ذكر القرية قد تقدّم كما تقدم ذكر الملّة؛ و يكون تلخيص الكلام: إنّا سنخرج من قريتكم، و لا نعود فيها إلاّ أن يشاء اللّه بما ينجزه لنا من الوعد فى الإظهار عليكم، و الظّفر بكم، فنعود إليها.
و خامسها أن يكون المعنى: إلاّ أن يشاء اللّه أن يردّكم إلى الحق، فنكون جميعا على
[١] البيت لأبى ذؤيب الهذلىّ، ديوان الهذليين ١: ١٤٥. و القارظان هما رجلان من عنزة؛ خرجا ينتحيان القرظ و يجتنيانه، فلم يرجعا؛ فضرب بهما المثل؛ و انظر اللسان (قرظ) ، و شرح ديوان الهذليين.