الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٨ - تأويل آية
٤ مجلس آخر المجلس الرابع:
تأويل آية وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ
إن قال قائل: ما تأويل قوله تعالى: وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ وَ يَجْعَلُ اَلرِّجْسَ عَلَى اَلَّذِينَ لاََ يَعْقِلُونَ [يونس: ١٠٠].
و ظاهر هذا الكلام يدلّ على أن الإيمان إنما كان لهم فعله بإذنه و أمره، و ليس هذا مذهبكم؛ و إن حمل الإذن هاهنا على الإرادة اقتضى أنّ من لم يقع منه الإيمان لم يرده اللّه منه، و هذا أيضا بخلاف قولكم. ثم جعل الرّجس الّذي هو العذاب على الذين لا يعقلون؛ و من كان فاقدا عقله لا يكون مكلّفا، فكيف يستحقّ العذاب؟و هذا بالضد من الخبر المروىّ عن النبي صلى اللّه عليه و آله أنه قال: «أكثر أهل الجنة البله» .
الجواب، يقال له فى قوله تعالى: إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ وجوه:
منها أن يكون الإذن الأمر، و يكون معنى الكلام: إن الإيمان لا يقع إلا بعد أن يأذن اللّه فيه، و يأمر به، و لا يكون معناه ما ظنّه السائل من أنه لا يكون للفاعل فعله إلا بإذنه، و يجرى هذا مجرى قوله تعالى: وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ [آل عمران: ١٤٥].
و معلوم أنّ معنى قوله: ليس لها فى هذه الآية هو ما ذكرناه، و إن كان الأشبه فى هذه الآية التى فيها ذكر الموت أن يكون المراد بالإذن العلم.
و منها أن يكون الإذن هو التوفيق [١] و التيسير و التسهيل، و لا شبهة فى أن اللّه يوفق لفعل الإيمان و يلطف فيه، و يسهّل السبيل إليه.
و منها أن يكون الإذن العلم من قولهم: أذنت لكذا و كذا إذا سمعته و علمته، و آذنت فلانا بكذا إذا أعلمته؛ فتكون فائدة الآية الإخبار عن علمه تعالى بسائر الكائنات، فإنه ممن
[١] حاشية الأصل (من نسخة) : «فى هذه» .