الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٦٦ - تأويل آية أخرى
و رابعها أن تكون الهاءان جميعا يرجعان إلى الكفار [١] لا إلى الرسل؛ فيكون المعنى أنّهم إذا سمعوا وعظهم و إنذارهم وضعوا أيدى أنفسهم على أفواههم؛ مشيرين لهم بذلك إلى الكفّ عن الكلام و الإمساك عنه؛ كما يفعل من يريد منّا أن يسكّت غيره، و منعه من الكلام، من وضع إصبعه على فى نفسه.
و خامسها أن يكون المعنى: فردّوا القول بأيدى أنفسهم إلى أفواه الرّسل، أى أنّهم كذّبوهم، و لم يصغوا إلى أقوالهم، فالهاء الأولى للقوم، و الثانية للرسل؛ و الأيدى إنما ذكرت مثلا و تأكيدا؛ كما يقول القائل: أهلك فلان نفسه بيده، أى وقع الهلاك به من جهته، لا من جهة غيره.
و سادسها أن المراد بالأيدى النعم و فِي محمولة على الباء، و الهاء الثانية للقوم المكذبين و التى قبلها للرّسل، و التقدير: فردّوا بأفواههم نعم الرّسل؛ أى ردّوا و عظهم و إنذارهم و تنبيههم على مصالحهم الّذي لو قبلوه لكان نعما عليهم.
و يجوز أيضا أن تكون الهاء التى فى الأيدى للقوم الكفار، لأنها نعم من اللّه تعالى عليهم، فيجوز إضافتها إليهم و حمل لفظة فِي على معنى الباء جائز لقيام بعض الصّفات مقام بعض؛ يقولون: رضيت عنك، و رضيت عليك و حكى فى لغة طيئ: أدخلك اللّه بالجنة، يريدون فى الجنة، فيعبرون بالباء عن معنى «فى» ؛ كذلك أيضا يصح أن يعبروا بقى عن الباء؛ قال الشاعر:
و أرغب فيها عن لقيط و رهطه # و لكنّنى عن سنبس لست أرغب
أراد: و أرغب بها فحمل «فى» على الباء.
[١] فى حاشيتى الأصل، ف: «يمكن أن يجعل الضميران جميعا للرسل عليهم السلام، على معنى أنهم لما لم يقبلوا و عظهم و إنذارهم رد الرسل بأيديهم إلى أفواه أنفسهم، إشارة إلى أنا قد سكتنا، فافعلوا ما شئتم تهديدا و تهويلا» .