الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٦١
حتى دنا من خالد، فقال له: انعم صباحا أيها الملك!قال: قد أغنانا اللّه عن تحيّتك هذه، فمن أين أقصى أثرك أيها الشيخ؟قال: من ظهر أبى، قال: فمن أين خرجت؟قال من بطن أمى، قال: فعلام أنت؟قال: على الأرض، قال: ففيم أنت؟قال: فى ثيابى، قال:
أ تعقل-لا عقلت؟قال: إي و اللّه/و أقيّد، قال: ابن كم أنت؟قال: ابن رجل واحد، قال خالد: ما رأيت كاليوم قطّ، إنى أسأله عن الشيء [١] و ينحو فى غيره [١] ، قال: ما أجبتك إلاّ عما سألت، فسل عمّا بدا لك.
قال: أعرب أنتم أم نبيط [٢] ؟قال: عرب استنبطنا، و نبيط استعربنا، قال: أ فحرب أنتم أم سلم؟قال: بل سلم، قال: فما هذى الحصون؟قال: بنيناها للسّفيه [٣] نحذر منه حتّى يجيء الحليم فينهاه، قال: كم أنى لك؟قال: ستون و ثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترفأ [٤] فى هذا الجرف، و رأيت المرأة تخرج من الحيرة، و تضع مكتلها على رأسها، لا تزوّد إلاّ رغيفا واحدا حتى تأتى الشام، ثم قد أصبحت خرابا يبابا، و ذلك دأب اللّه فى البلاد و العباد.
قال-و معه سمّ ساعة يقلّبه فى كفّه-: فقال له خالد: ما هذا فى كفّك؟قال: هذا السّم، قال: ما تصنع به؟قال: إن كان عندك ما يوافق قومى و أهل بلدى حمدت اللّه و قبلته، و إن كانت الأخرى لم أكن أول من ساق إليهم ذلاّ و بلاء، أشربه فأستريح من الدنيا، فإنما بقى من عمرى اليسير، قال خالد: هاته، فأخذه ثم قال: بسم اللّه و باللّه رب الأرض و السماء، الّذي لا يضر مع اسمه شيء، ثم أكله، فتجللته غشية، ثم ضرب بذقنه فى صدره طويلا، ثم عرق فأفاق، كأنما أنشط من عقال.
فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال: جئتكم من عند شيطان، أكل سمّ ساعة فلم يضرّه،
(١-١) حاشية ت (من نسخة) : «و ينحو بى إلى غيره» .
[٢] ش: «نبط» ، و هو بمعنى النبيط: «و فى حاشية الأصل: «أصل النبط قوم كانوا يستنبطون الماء و يحتفرون الآبار للعرب؛ فقيل لأهل السواد النبيط» .
[٣] حاشية ت (من نسخة) :
«لسفيه» .
[٤] فى حاشية الأصل، ت: «أرفأت السفينة: قربتها من الشط، و ذلك الموضع مرفأ» .