الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨٢
و ذكر محمد بن الجهم [١] صاحب الفرّاء قال: رأيت أبا الهذيل و قد جاء إلى الديوان فى أيام المأمون فسأل سهل بن هارون بن راهبون أن يكتب له كتابا فى حاجة له إلى حفصويه صاحب الجيش، و نهض أبو الهذيل؛ فأملى عليّ سهل بن هارون:
إنّ الضّمير إذا سألتك حاجة # لأبى الهذيل خلاف ما أبدى
فإذا أتاك لحاجة فامدد له # حبل الرّجاء بمخلف الوعد
و ألن له كنفا ليحسن ظنّه # فى غير منفعة و لا رفد
حتى إذا طالت شقاوة جدّه # و رجا الغنى فاجبهه بالرّدّ
و إن استطعت له المضرّة فاجتهد # فيما يضرّ بأبلغ الجهد
/و انظر كلامى فيه فارم به # خلف الثّريّا منك فى البعد [٢]
و كذاك فافعل غير محتشم # إن جئت أسأل فى أبى الهندى [٣]
قال سيدنا المرتضى أدام اللّه تأييده: و يشبه هذا المعنى ما أخبرنا به أبو عبيد اللّه المرزبانىّ قال: حدثنى محمد بن أبى الأزهر قال: حدثنا أبو العيناء قال: كان لى صديق فجاءنى يوما فقال لى: أريد الخروج إلى فلان العامل، و أحببت أن تكون معى إليه وسيلة، و قد سألت من صديقه، فقيل لى: أبو عثمان الجاحظ، و هو صديقك، فأحب أن تأخذ لى كتابه إليه بالعناية، قال: فصرت إلى الجاحظ، فقال لى: فى أىّ شيء جاء أبو عبد اللّه؟فقلت: مسلّما و قاضيا الحقّ، و فى حاجة لبعض أصدقائى و هى كذا و كذا، فقال: لا تشغلنا الساعة عن المحادثة، فإنى فى غد أوجّه إليك بالكتاب، فلما كان من الغد وجّه إلى بالكتاب مختوما فقلت لابنى: وجّه هذا الكتاب إلى فلان، ففيه حاجته، فقال لى: إنّ أبا عثمان بعيد الغور فينبغى أن تفضّه و تنظر ما فيه، ففعل فإذا فى الكتاب: «كتابى إليك مع من لا أعرفه،
[١] حاشية الأصل: «محمد بن الجهم السمرى» .
[٢] فى حاشيتى الأصل، ت: «أى أخف كلامى هذا» .
[٣] حاشية ت: «أبو الهندى اسم رجل كان خاصا به و ملازما له» .