الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١١٠ - تأويل خبر
و قال الفرّاء: القانع هو الّذي يأتيك فيسألك؛ فإن أعطيته قبل، و المعترّ: الّذي يجلس عند الذبيحة، و يمسك عن السؤال، كأنّه يعرّض فى المسألة و لا يصرّح بها، يقال قنع الرجل قناعة إذا رضى، و قنع قنوعا إذا سأل.
فأما قوله: «لا جرم» فقال قوم: معنى جرم كسب، و قالوا فى قوله تعالى: لاََ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ اَلنََّارَ [النحل: ٦٢]، أنّ «لا» ردّ على الكفار، ثم ابتدأ فقال: جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ اَلنََّارَ بمعنى كسب قولهم أنّ لهم النار، و قال الشاعر:
نصبنا رأسه فى رأس جذع # بما جرمت يداه و ما اعتدينا [١]
أى: بما كسبت. و قال آخرون: معنى «جرم» حقّ، و تأول الآية بمعنى حقّق قولهم أن لهم النار؛ و أنشدوا:
و لقد طعنت أبا عيينة طعنة # جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا [١]
أراد: حقّقت فزارة، و روى الفرّاء «فزارة» ، بالنصب على معنى كسبت [٢] الطعنة فزارة الغضب/، و قال الفراء: لا جرم فى الأصل مثل لا بدّ، و لا محالة، ثم استعملته العرب فى معنى حقا، و جاءت فيه بجواب الأيمان، فقالوا: لا جرم لأقومنّ؛ كما قالوا: و اللّه لأقومنّ، و فيها لغات، يقال: لا جرم، و لا جرم، بضم الجيم و تسكين الراء، و لا جر، بحذف الميم، و لا ذا جرم؛ قال الشاعر:
إنّ كلابا والدى لا ذا جرم [٣] # لأهدرنّ اليوم هدرا فى النّعم [٤]
*هدر المعنّى [٥] ذى الشّقاشيق اللّهم [٦] *
[١] البيت فى اللسان (جرم) ، و نسبه إلى أبى أسماء بن الضريبة.
[٢] د: «أكسبت» .
[٣] البيت فى اللسان (جرم) من غير عزو.
[٤] لأهدرن: لأصوتن؛ من الهدير، و هو تردد صوت البعير فى حنجرته.
[٥] حاشية ت (من نسخة) : «المغنى» .
[٦] حواشى الأصل، ت، ف: المعنى: الّذي يدخل العنة من الإبل؛ و هى الحظيرة؛ و ذلك أن الفحل اللئيم إذا هاج حبس حتى لا يضرب فى النوق الكرام، و منه قول الوليد بن عقبة:
قطعت الدهر كالسّدم المعنّى # تهدّر فى دمشق فلا تريم
-