ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٩٦
ومفزعه نحوها . واُمّ القرى : مكّة ؛ لأنّها أصل الأرض ، وأصل الكلمة من الاُمّ وهو القصد ، و«الخبائث» جمع خبيثة ، وإنّما سمّاها اُمّ الخبائث استعارةً على تغليظ النَّهي عن شربها ؛ فالاُمّ جامعة لأولادها . والفائدة في تقديمها على جميع المعاصي أنّ الأغلب في شربها أن يكون طريقاً إلى ارتكاب الكبائر ، فالسُّكر يَحمل صاحبه على القذف والافتراء وإراقة الدماء واستحلال الأموال . وروي أنّ ملكاً دعا زاهداً إلى وطئ امرأةٍ حسناء وغلام وقتل طفل ، أو إلى شرب الخمر ، وقال : إن لم تفعل واحداً قتلتك! فاستهان أمر الخمر ، وقال : «أشرب الخمر» فسَقَوهُ ، فلمّا سكر قَتَلَ الصبيّ ، وأتى الغلام ، ووقع عليها ، فجَمَعَ بين الكبائر كلّها لفساد العقل ، ولو اختار غير الخمر لما فعل إلّا واحدة . و«الإثم» : الذنب العظيم ، ويسمّى الخمر إثماً .
٤٤.الغُلُولُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ .[١]
يقول : لا تخونوا المسلمين في شيء من الأشياء ؛ فإنّ من خان أحداً باقتطاع مالٍ له فكأنّما يجرّ [إلى] نفسه جمرة من جمرات نار اللّه ، وقال : الخبر مخصوص بمن خان في الغنيمة وأخفاها ولا يرُدّها إلى القِسم ، معناه : مَن خان في مال الغنيمة استحقَّ نار جهنّم ، وإنّما سمّيت غلولاً لأنّ الأيدي مغلولة منها، أي ممنوعة ، و«الغلول» : الخيانة ، يقال : غلّ الرَّجل ، إذا خان ، ومنه قوله : « وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ » [٢] وقرئ يُغلّ، أي يخان . و«الجمر» : القطعة من النار غير الملتهبة ، و«جهنّم» اسم للنار عَلَمٌ أعني النار المعدّة للكفَّار ، وقيل : هو اسم دركة من دركاته .
[١] مسند الشهاب ، ج ١ ، ص ٦٦ ، ح ٥٥ ؛ المصنّف ، ج ٨ ، ص ١٦٢ ؛ شرح السير الكبير للسرخسي ، ج ١ ، ص ٤٤ ، ح ٣٥ ؛ إمتاع الأسماع ، ج ٢ ، ص ٥٩ . تفسير القمّي ، ج ١ ، ص ٢٩١ ؛ الاختصاص ، ص ٣٤٣ ؛ كنزالفوائد ، ص ٩٧ . [٢] آل عمران (٣) : ١٦١ .