ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٢٠٣
أمر عليه السلام بالخبر الأوّل بغضّ البصر عن المحارم كلّها ؛ يقول : لا تنظروا إلى امرأة يحرُمُ لكم النظر إليها ؛ فإنّ نظركم[١] إلى وجهها وإلى محاسنها سهمٌ من جملة سهام إبليس اللَّعين ، وقد جعله مسموماً يَقتل مَن يصيبه . وبيان الخبر في تمامه وهو ما روى عليه السلام عن اللّه تعالى أنّه قال : «النظرة سهمٌ من سهام الشيطان ، فمن تركها من مخافتي أثبتُّه بما يجد حلاوته في قلبه» . [٢] وأمّا نظرة الفَجْأَة فغير مؤاخَذٍ بها ناظرها ، وبالاُخرى مأخوذ . وبيان الخبر الثاني فيما قال عليه السلام وهو : «إن كان في شيء ـ يعني الشؤم ـ ففي المرأة أن لا تلد ، وشؤم الفرس أن لا يُحمل عليها في سبيل اللّه ، وشؤم الدار سوء الجوار» . وروي أنّ أنساً روى هذا الحديث ، فسمعتْ به عائشة وقالت : ليس الأمر على ما زعمت ، وإنّما كان رسول اللّه يوماً يحدّث عن اعتقادات الجاهليّة ، فدخلتُ في وسط الكلام ، ولم تكن سمعت أوّله ، فظننت أنّه يخبر به من قبل نفسه ، وكنت أسمع جميع ذلك من وراء الحجاب . [٣] ثمّ حثَّ في الخبر الثالث مِن اغتنام الفرصة قبل مجيء فوتها ، وبيّن عظم هاتين النِّعمتين وتغافل أكثر الناس عنهما وكُفرانهما وتضييعهما ، فمِن حقّ الصحّة قبل السقم والفراغ قبل الشغل أن يُكثَر طاعة اللّه فيهما ، فمن لم يغتنم الطاعة في تلك الحالة صار مغبوناً يوم القيامة . والصحّة والفراغ كلاهما مبتدأ ، والخبر «نعمتان» ، و«مغبون فيهما» صفة نعمتان ، وارتفع «كثيرٌ» بمغبون ، أي : سيُغبن فيهما كثير من الناس . والخبر الرابع إلى ما كان بعد رسول اللّه من بلاء العرب خاصّةً والفتن الواقعة بينهم، نَعى نفسه إليهم ، وبيّن كلمةُ «الويل» أنّ أكثرهم يُبتلى ببليّة ويُصاب بشرٍّ ومعصية بسبب ما تجني يداه ، و«الويل» : شدّة عذابٍ يكون على سبيل الاستحقاق ؛ قال تعالى : « فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ » [٤] .
[١] في المخطوطة : «ينظركم» ، وهو تصحيف ظاهرا . [٢] مجمع الزوائد ، ج ٨ ، ص ٦٣ ؛ كشف الخفاء ، ج ٢ ، ص ٣٢٨ . [٣] راجع : شرح معاني الآثار لأحمد بن محمّد بن سلمة ، ص ٢٦٥ ؛ التمهيد لابن عبد البرّ ، ج ١٧ ، ص ٢٢٧ . [٤] البقرة (٢) : ٧٩ .