ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ١٦٣
على اُخرى ، [ و ] هذا من حيث الخلقة . وتمام الخبر الثاني : «فخيارهم في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا» [١] ، ومعناه : قيمة كلّ امرئٍ ما يُحسنه . ومن جعل أخلاقه حسنة ؛ فمنها كمعدن الذهب عزيزاً ، ومنها دون ذلك كمعدن الفضّة ، وإن كان كلّها في الحُسن سواء . وأمّا الخبر الثالث فهو خاصّ في الذين يغلب عليهم النقص سواسيةً كأسنان [٢] الحمار ، يريد أنّ أكثر الناس أهل نقص وجهل ، فلا تؤاخ منهم إلّا أهل [٣] الفضل ، وعددهم قليل بمنزلة «الراحلة» في الإبل وهي البعير الذلول الذي يحمل ويُركب ، فاعلة بمعنى المفعولة ؛ من حيث إنّها مصدر كالعاقبة والعافية والحافية . وروي : «تجدون الناس كالإبل المائة ليست فيها راحلة» . [٤] وهذا يدلُّ على أنّ قوله كإبل مائة على الصفة أحسن من الإضافة . والمعنى : أنّ المرضيَّ المنتجب في عزّة وجوده كالنَّجيبة التي لا توجد في كثير من الإبل ، والتقدير : الناس مثل إبل مائة غير موجودة فيها راحلة . وعن الأزهري : «الراحلة : البعير الذي يَرتحله الرجل جَمَلاً كان أو ناقة» . [٥] فإن قيل : هذه الأحاديث الثلاثة مختلفة تُوهِم التناقض ؛ لأنّ تشبيه الناس بأسنان المشط يفيد التماثل ونفي التفاوت وأنّهم متساوون في النسب أي : كلّهم بنو آدم ، وتشبيههم بمعادن الذهب والفضَّة يفيد وصفها [٦] بالنفاسة مع اختلافٍ ظاهر وتفاوتٍ بيِّنٍ ، وتشبيههم بقطيع من الإبل لا يكون فيهم واحدة حميدة يفيد وصفهم بغاية الرداءة . قلنا : الجمع بينها من جهة المعنى واختلاف الأحوال ؛ وذلك أنّ تشبيههم بأسنان
[١] تاريخ مدينة دمشق ، ج ٢٠ ، ص ٢٥٨ ؛ إمتاع الأسماع ، ج ١ ، ص ٢٦٤ ؛ السيرة الحلبيّة ، ج ٢ ، ص ٦٨٦ . [٢] في المخطوطة يقرأ : «كأسناسن» . ويقال للمتساويين في الرداءة: كأسنان الحمار. [٣] في المخطوطة : «أفعل» ، فصحّحناه . [٤] مسند أبي يعلى ، ج ٩ ، ص ٣٢٤ ، ح ٥٤٣٦ ؛ الفائق في غريب الحديث ، ص ٢٧ ؛ معجم مقاييس اللغة ، ص ٤١ . [٥] راجع : مختصر المعاني للتفتازاني ، ص ٢٥٣ ؛ لسان العرب ، ج ٣ ، ص ٣٠٧ . [٦] كذا في المخطوطة ، والظاهر أنّ الصحيح : «وصفهم» كما يأتي في عِدله : «يفيد وصفهم بغاية الرداءة» .