ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٣٧٥
قوله : «لا عقد» بالدال غير المعجمة ، وروي بالراء أيضاً وهو صحيح مرويٌّ ، وبالدال هو الحلف الذي كان بين أهل الجاهلية ، وذلك أنّ الرجل كان في الجاهلية يعاقِد الرجُلَ مع وجود أقربائهما فيقول : «دَمي دمك ، وهدمي هدمك ، وثأري ثأرك ، وحربي حربك ، وسِلمي سلمُك ، وترثني وأرثك ، وتطلب بي فأطلب بك ، وتَعقل عنّي وأعقل عنك» ، فأبطل اللّه ذلك ونَسَخَه بالفرائض والمواريث . والصحيح أنّ الجاهلية كانوا يتوارثون بالحِلف والنصرة ، وأقرّوا على ذلك في صدر الإسلام في قوله : « وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـنُكُمْ فَئاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ » [١] . ثمّ نُسخ بسورة الأنفال بقوله : « وَأُوْلُواْ الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَـبِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْ ءٍ عَلِيمُ » [٢] ، فكانوا يتوارثون بعد ذلك بالإسلام والهجرة . فروي أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله آخى بين المهاجرين والأنصار لمّا قَدِمَ المدينة ، فكان يرث المهاجريُّ من الأنصاري والأنصاريُّ من المهاجري ، ولا يرث وارثُه الذي كان له بمكّة وإن كان مسلماً [٣] ؛ لقوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـهَدُواْ بِأَمْوَ لِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَـيَتِهِم مِّن شَىْ ءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ » [٤] ، ثمّ نسخت هذه الآيات بالقرابة والرحم والنسب والأسباب بقوله : « وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَـبِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهَـجِرِينَ » [٥] إلّا أن تكون وصيّة ، وبقوله : « لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَ لِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ » [٦] الآية ، ثمّ قدّر ذلك في سورة النساء .
[١] النساء (٤) : ٣٣ . [٢] الأنفال (٨) : ٧٥ . [٣] راجع : المبسوط ، ج ٤ ، ص ٦٧ ؛ السرائر ، ج ٣ ، ص ٢٢٦ ؛ المهذّب ، ج ٤ ، ص ٣٢٨ . [٤] الأنفال (٨) : ٧٢ . [٥] الأحزاب (٣٣) : ٦ . [٦] النساء (٤) : ٧ .