ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٥٠٩
والرواية الاُولى أصحّ وربّ بأن يكون في بابه أحسن ؛ أي : قلّما يكون مبلِّغ شيء من العلوم والحكم وغيرهما أحفظ من سامعٍ ؛ فإنّ كثيراً من الناس إذا سمعوا ذلك فيهم من يضبط ذلك ويعيه . [١] ثمّ قال : ويقلّ أن يكون إنسان يحمل شيئاً من الشرعيّات إلى من هو أفقه ، أو يحمل شيئاً من الحِكَم المستخرجة باستعمال العقل إلى من هو أحفظ لها منه . وهذا وإن [كان] أقلّ ، فقد يكون يُقال : وعيت العلم ؛ أي حفظته ، قال تعالى : « أُذُنٌ وَ عِيَةٌ » [٢] ، وأنفعه العلم السمعي ، والحكمة من السمعيات والعقليات معاً . ثمّ استفتح كلامه ب«ألا» تنبيهاً وللوعظ البليغ فقال : ألا قد يكون نفوس في الآخرة رهائن جوعٍ وعُرى ، وقد كانت في دار الدُّنيا في نعمة و نعمة ؛ لاختيارها الدُّنيا على الآخرة ، وقد يكون على عكس ذلك ؛ فإنّ المؤمن إذا كان جائعاً عارياً في دنياه وصبر على ذلك احتساباً ، كان ذلك سبب أن يكون في الآخرة طاعماً ناعماً ، وهذا ليس على العموم ، بل هو على الخصوص ؛ لأنّه قد يكون من المؤمنين يجمع خير الدُّنيا والآخرة . ثمّ نبّه على أنّ مَن أكرم نفسه على مذهب النخوة والكبر واستخدام الناس عزّةً وقهراً ، فذلك عند الحقيقة إهانة منه لنفسه ، وعلى ضدّ ذلك مَن ذلّل نفسه في العبادة للّه ، وتواضَعَ للمؤمنين [٣] تعظيماً للّه ، فهذا هو الإعزاز والإكرام منه لنفسه ، فافعلوا هذا ، واجتنبوا من ذلك ؛ لتكرَموا في الدارين . ثمّ حذّر مِن تتبّع الشهوات فقال : إذا دعاك الشهوة إلى شيء فانظر ؛ فإن كان في مباح فاقتصد ، وإن كان المشتهى محرّماً تَناولُه فإيّاك أن تقربه ؛ فقد يكون شهوة ساعة تورث الإنسان حزناً يطول ثباته . وقيل في سبب هذا الحديث : إنّه أصاب النبيَّ عليه السلام جوع ، فوضع الحَجَر على بطنه ، فقال : «ألا رُبَّ نفسٍ طاعمة ...» إلى آخره .
[١] في المخطوطة : «نعيه» ، والظاهر أنّه تصحيف . [٢] الحاقة (٦٩) : ١٢ . [٣] في المخطوطة : «المؤمنين» ، والظاهر أنّه تصحيف من الكاتب .