ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٤٧٨
قامت مقام ذات الرحِم . وقيل : إنّما ذكر في الخبر الذي في الكتاب على عادة العرب ؛ لأنّ أحبّ الطعام إليهم التمر . وأمّا قوله: نعمّا بالمال الصالح، فالباء زائدة، فكأنّه قال: نِعمَ المال الحلال للرجل الذي يقوم فيه ما أمره اللّه ؛ فإنّ المرء الصالح يُصلِح بأمواله أحوال نفسه وعياله والمؤمنين، و«ما» في «نعمّا» نكرة غير موصوفةٍ ولا موصولةٍ. والمعنى: نعم شيئاً. وقيل : الباء في قوله «بالمال» يدلّ على أنّ المعنى : مرحباً بالمال ، كأنّه قال : نعمّا ، فقيل : بِمَ تختصّ هذه الكلمة؟ فقال : «بالمال الصالح» ، كقولِهم مرحباً . ثمّ كأنّه قيل : بِمَ يختصّ؟ فقال : بك . و«العون» مصدر بمعنى الفاعل ؛ أي : نعم المُعين على التقوى هذا المال ؛ لأنّ المؤمن إذا كان له مالٌ يتخلّصُ من ذُلّ السؤال ومن الطلب والتكسّب ، فيؤدّي الطاعات على فراغ [١] القلب ، وينفق في سبيل اللّه . وتمام الخبر الذي بعده : قيل : يا رسول اللّه ، ما الفأل؟ قال : «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» ، فكأنّ الرجل إذا سمع ذلك أتاه بشارة بنجاحه فيفرح . ثمّ حثَّ على الاكتفاء بالبلغة [٢] من العيش ولزوم الاقتصاد ، و«الخَلّ» إدامٌ يكسر الشهوة وكثيراً من العلل . وعن جابر قال : أخذ رسول اللّه عليه السلام بيدي وقال : «أ ما من غذاء؟» فأخرجت إليه فلقاً من خُبز ، فقال : «هل من إدام؟» فقلت : لا ، إلّا شيء من خَلّ . فقال : «إنّ الخلّ نِعمَ الإدام» . [٣] وفي الحديث : «ما أقفر قومٌ عندهم خلّ» [٤] ؛ أي : لا يعدمون الإدام ، و«الإدام» : ما يؤدم به الطعام ؛ أي يصلح ، وهذا البناء يجيء لما يُفعل به كثيراً ؛ نحو الركاب لما يركب به ، والحزام لما يحزم به .
[١] في المخطوطة: «فراق»، والمناسب ما اُثبت. [٢] في المخطوطة : «البلغة» . [٣] المستدرك للحاكم ، ج ٤ ، ص ٥٤ ؛ مجمع الزوائد ، ج ٦ ، ص ١٧٦ ؛ المعجم الأوسط ، ج ٧ ، ص ٨٧ . [٤] راجع : العين ، ج ٥ ، ص ١٥٢ (قفر) .