ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٤٥٢
يحصل بالخبر المتواتر كالعلم بالبلدان ؛ فإنّه دون العلم الذي يكون من طريق المشاهدة والرؤية ، ولا يكون ذلك بمنزلة هذا ؛ لأنّه يكون علم جملةٍ وهذا علم تفصيلٍ ، ولهذا قال تعالى حاكياً عن إبراهيم : « وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى » [١] أي بيقين الرؤية ؛ على بعض التأويلات . على أنّ الخبر ممّا يحتمل الصدق والكذب ، والمعاينة لا يدخلها الاحتمال ؛ فهو قطعيٌّ ، والخبر تجويزي . وفي رواية اُخرى : «ليس المخبّر كالمعاين ؛ فإنّ موسى اُخبر أنّ قومه قد ضلّوا من بعده ، فلم يُلْقِ الألواح ؛ فلمّا رأى ما أحدثوا ألقى الألواح» [٢] ، و«الفاسق» : هو من يرتكب القبائح جهاراً نهاراً ، ولا يُبالي بمن يراه سكران وزانياً وسارقاً وظالماً ونحو ذلك ، فهذا الذي ألقى جلباب الحياء عن نفسه ، وهتك ستره ، ليس له غيبة ، فإن كان مذنباً ويستر ذنبه فيحرم غيبته . و«الغيبة» : ذكر الغائب بما فيه من عيب من غير حاجة إلى ذكره ، وإنّما جاءت الرخصة في غيبة مَن يشرب الخمر ظاهراً ومَن يَظلم الناس علانيةً ومثلهما ؛ لأنّه ربما سمع لوم الخلق له وحدى [٣] ذكره بالسوء فيما بين الناس يرتدع ويتقاصر عن سوء فعله . ثمّ قال : «ليس لعِرق ظالم حقّ» ؛ هو الرجل الذي يغرس في أرض غيره على سبيل الغصب ، فذلك الشجر وإن طال وأثمر فقد يجوز أن يَقلعه صاحب الأرض ويرمي به . هذا إذا روي بالإضافة . وروى : «لعرقٍ» بالتنوين على أن يكون «ظالم» صفة عرق ؛ لأنّه نبتَ في غير موضعه ، فعلى هذا جعل العرق ظالماً لما كان يحصل به الظلم ، والمعنيّ به هو الذي يأخذ ما ليس له ، والتقدير : ليس لذي عرق ظالم حقّ . وبيانه في الحديث : أنّ رجلاً غرس في أرض رجلٍ من الأنصار نخلاً ، فاختصما إلى رسول اللّه ، فقضى للأنصاري بأرضه ، وقضى على الآخر أن ينزع نخله . قال
[١] البقرة (٢) : ٢٦٠ . [٢] تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، ص ٩٢؛ تاريخ بغداد، ج ٣، ص ٤١٨؛ غريب الحديث، ج ١، ص ٢٦٠ . [٣] قرأ، ويحتمل أن يكون: «حدا» ويراد به إرتفاع الأصوات بذكره السيّء.