ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٣٣٨
وقيل : أراد به قصر الأمل ، وقيل : معناه على سبيل التقديم والتأخير الذي يكثر في كلام العرب ؛ أي : اتّخذوا البيوت مساجد من كثرة الأذكار والصلاة فيها ، وأكثروا ذكر ما يُرِقّ قلوبكم ويقرّبكم من الآخرة ، وأكثروا التفكّر في صنع اللّه وفي ذنوبكم وجرمكم على اللّه ، وأكثروا بكاءكم على ما سلَفَ من ذنوبكم ، فالباكي خشيةَ العقاب تنزل الرحمة عليه ؛ فإنّكم إذا فعلتم ذلك لا يغلبُ الهوى عليكم فتختلف بكم ، ولا يظهر الخلاف فيكم لا في الاُصول ولا في الفروع . وقيل : هذا كلامٌ مستأنف ، وهو نهي على طريقة قولهم : لا أراك هاهنا ؛ أي : لا تكن هاهنا فأراك . المعنى : لا تسلّطوا الهوى على أنفسكم فيختلف بكم في كلّ بلاءٍ وهلكة ، ويصرفكم في العظائم . وقوله : «أكرموا الشهود» له ثلاثة معان : أحدها : أنّ هذا ليكون خطاباً للمدّعين بأمرهم ليراعوا الشهود الذين شهدوا لهم على خصمهم بالإكرام والإلطاف قبل إقامة الدعوى ؛ لئلّا يمتنعوا [١] من أداء الشهادة وقت الحاجة . وقيل : أراد به الإحكام يخاطبهم أن لا يَدَعوا المشهود عليه يخاصم الشهود ويقبِّح القول فيهم حين أداء الشهادة ؛ لئلّا يفوت الحقّ بالمخاصمة ، وإكرامهم صون أعراضهم بدفعه وزجره عن أبدانهم . والثالث : أنّه أمَرَ كلَّ مكلّفٍ من القاضي والمقتضي أن يكرم المسلمين العدول الذين يستأهلون أن يكونوا شهوداً [٢] ؛ فإنّ اللّه يدفع ظلم هذا عن هذا بهم ، ويستخرج حقوق المسلمين بمكانهم . وللخبر الأخير وجهان : أحدهما : أنّه زجرٌ للظَّلمة ؛ فقد قطع على أنّ دعوة المظلوم مستجابة لا محالة ؛ فإنّ اللّه لا يُهمِلُ الظالم مع أنّه يمهله . وحملُ الدُّعاء على الغمام استعارة عن قربه من
[١] في المخطوطة : «تمتنعوا» ، وهو تصحيف . [٢] في المخطوطة: «مشهودا»، و السياق يقتضي ما اُثبت.