ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٥١٩
وأشهدتُ ملائكتي على ذلك ، ولا يجب شيءٌ على اللّه ، وإنّما اللّه إذا وعد بشيء أن يفي به ، فكأنّه واجب ؛ لأنّه تعالى لا يخِلّ بذلك البتّة ، ومحبّة اللّه للعبد إرادته أن يثيبه؛ يعني: الذين يتحابّون لوجه اللّه ، ويتجالسون لخدمة اللّه ، ويتعاطون لرضا اللّه ، ويتزاور بعضهم بعضاً تقرّباً إلى اللّه ، يُثيبهم اللّه البتّة ثواباً عظيماً، ورُويت على التثنية. [١] ثمّ حكى عنه أنّه قال : من أتى بكلمة «لا إله إلّا اللّه » مخلصاً ، وأقام على شرائطها متيقّناً ، فهو في أماني وحِصني في الدارين ، أكفيه وسواس الشيطان ، وأعصمه من اقتراف الذُّنوب ، واُوفّقه للقيام بالواجبات ، فيأمن عقابي . و«الحصن» كناية عن الجوار . ثمّ ذكر ما فيه تحذير عن الظُّلم ، سيّما على الضَّعَفَة الذين لا يكون لهم عونٌ غير اللّه ، « وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ » [٢] ؛ ينصر المظلوم ، ويخذل الظالم . وقوله : «مرّي على أوليائي» من مَرَّ الشيء يَمَرّ ـ بالفتح ـ مرارةً فهو مُرٌّ ، وأَمَرَّ أي صار مُرّاً ، ويقال أمرّه غيره أيضاً . خاطَبَ الدُّنيا وأمرَها بأن تكون مرّةً على أوليائه ؛ لأنّها لو كانت حُلواً عليهم لأوقعتهم في الفتن ، وهذا الخطاب والأمر من اللّه تعالى مَجاز واستعار [٣] ؛ لأنّ مخاطبة الجماد غير صحيحة على سبيل الحقيقة . ومفهوم ذلك أنّ اللّه قد قدّر وقضى أنّ الدُّنيا تكون مُرّةً على عباده المخلصين ؛ ولا تكون حلوةً لهم ؛ لئلّا يفتتنوا . وقيل : الخطاب مع الملائكة الموكَّلين بتدابير الأرض . وقوله: «مَن أهانَ لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة» ؛ معناه: أنّ من عادى أوليائي وأهان بأمرهم ونهيهم ولا يُطيعهم فإنّه يعاديني ويحاربني، وهذا نهي عن الوقيعة في أولياء اللّه . واعلم أنّ التردّد في صفات اللّه غير جائز، والبداء عليه غير سائغ، وتأويله على وجهين: أحدهما : أنّ المرء قد يُشرِف في أيّام عمره على الهلاك مرّاتٍ من داءٍ يُصيبه وآفةٍ تنزل به ، فيدعو اللّه فيَشفيه منها ويدفع مكروهها منه ، فيكون ذلك مِن فعله
[١] يعني «للمتحابَّين ... المتجالسَين ... المتباذلَين ... المتزاورَين ...» . [٢] آل عمران (٣) : ٤ . [٣] كذا في المخطوطة ، والأولى أن يكون «استعارة» لا «استَعَارَ» .