ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٣٥٧
وقال ابن المبارك : «ليس ما يذهبون إليه من فتنة الشهوة فقط ، ولكنّه بما يدخل على الأزواج من القطيعات في القرابات ، وما يُبتلى به الرجل من أجل النساء من الثياب الفاخرة وغيرها» . [١] ثمّ قال : ما كان مصرّاً على الذنب ـ أي مقيماً عليه ـ من اعتاد الاستغفار ، وهو سؤال المغفرة من اللّه ولو تكرّر منه ذنبُه في يوم واحدٍ سبعين مرّةً ، وهذا أصلٌ قويٌّ في باب الرجاء . ثمّ قال لطيب نفس الذي يؤدّي زكاة ماله ولا يخاف الفقر على أولاده من بعده : إنّ العبد إذا تصدّق ما عليه فاللّه خليفته على عياله ؛ وقد ضمن اللّه ذلك بقوله : « وَ مَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْ ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ » [٢] . ومعنى الخبر الأخير أنّ مِن حقّ مَن يَهرب من النار ويَطلب الجنّة أن لا ينام ، والواجب أن يُقال : «الهارب منها» ، فحذف [مِن] كقوله : « وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ » [٣] . وله وجه آخر وهو أنّه جعل الهارب كاسم الرجل ثمّ أضافه إلى النار بأدنى ملابسة بينه وبين النار ؛ من حيث إنّه يهربُ منها كما قالوا : كوكب الخرقا لما كانت تقوم عند طلوعه ؛ فلم يراع الفعل وصلته ، وجعله كاسم الشخص . وأمّا الضمير في «هاربها» فلا يرجع إلى النار ؛ لأنّه لا تعلّق ولا اتّصال بينه وبينها ؛ لأنّه ليس بخبرٍ للمبتدأ ولا صفةٍ ولا حالٍ ؛ لأنّ النار معرفةٌ والجملة نكرة فلا يصحّ أن يكون صفة لها . ولا يجوز أن يكون حالاً ؛ لأنّ من حقّ العامل في الحال وذي الحال أن يكون واحداً ؛ كقوله : زيدٌ راكباً . والعامل في «النار» مثل الذي اُضيف إليه فانجرّ النار به ، ولا يصحّ فيه أن يكون ناصباً ؛ لأنّه ليس بفعل ولا مشتقّ من الفعل ، فإذا بطلت هذه الوجوه وَجَبَ أن يقدَّر محذوف يكون موصوفاً لمثلٍ ؛ فإنّ مثلاً لا يكون إلّا صفةً ، وذلك كأنّه قال : ما رأيت
[١] لم نعثر على قوله في موضع . [٢] سبأ (٣٤) : ٣٩ . [٣] الأعراف (٧) : ١٥٥ .