ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٤٤٠
قال [ابو] قتادة وأبو الدهماء : أتينا رجلاً بدويّاً فقال : أخذ بيدي رسول اللّه فعلّمني ما علّمه اللّه ، فكان ممّا حفظته منه : «إنّك لا تدع شيئاً اتّقاء اللّه ...» الخبر ، وفائدته الأمر بالتقوى . ثمّ ذكر في حديثين علامات المغفرة وأسبابها ، وهي ثلاثة : إدخالُ السرور على قلوب المؤمنين ، والسلام عليهم فإنّه تحيّة الإسلام وإظهارُ السلام من نفْسه للمسلمين ، وحُسنُ القول ابتداءً وجواباً مع من يسمع المكروه والمحبوب ، وأحسن الكلام ذكر اللّه . وروي أنّه : «ليس ذنب بعد الشرك أشدّ عقوبةً من أذى المؤمن» . [١] ثمّ قال: إنّ صورة الدُّنيا ومتاعها حسنه المنظر مُؤنقة تُعجِب الناظر، فحذف المضاف. ثمّ حَثَّ على الاقتصاد في جمع المال ، ودَعا إلى الصدقة وترك الإمساك والادّخار ؛ فإنّ اللّه يعوّضكم منها ، فاعملوا ما هو خيرٌ لكم ، وأنتم مخيّرون في عمل ما يريدون . ثمّ بيّن أنّ تفرقة القلب آفةٌ عظيمة ، وأنّ له إقبالاً وإدباراً ، فحذّر هاهنا عن صرفه إلى شهواته ، فمَن اتّبع كلّ ما يشتهيه لا يُبالي اللّه بهلاكه . ثمّ وصف الدِّين بالمتانة وهو مَجاز ، والمراد أنّه إنّما وصفه بذلك لرسوخ أصله ؛ أي : إنّ الدِّين ليس بالشيء الذي يضمحلّ سريعاً ، بل هو ثابت الأركان ، والمعنى : لا ينبغي للإنسان أن يستفرغ جميع قوله في تعبّده دفعةً واحدةً حتّى يكون هذا الاستقصاء تقصيراً ؛ فإنّه عسى من كثرة تعاطيه أن [٢] يجد سآمةً فيطرحه جملةً . وقيل : المراد أنّه صعب الظهر شديد الأسر مأخوذ من متن الإنسان ، وهو ما اشتدّ من لحم منكبيه ؛ وإنّما وصفه بذلك لمشقّة القيام بشرائطه ، فأمر أن يَدخل الإنسان أبوابه مترفّقاً ؛ ليستمرّ على تجشّم [٣] مساعيه ، وشبّه العابد الذي يَستنفد طاقته
[١] لم نعثر عليه في موضع . [٢] في المخطوطة: «أيا»، والظاهر أنه تصحيف . [٣] في المخطوطة: «تجسّم». والتجشّم: التكلّف على مشقة. «مجمع البحرين، ج ٦، ص ٢٩ (جشم)» ابن السكيت: تجشّمت الأمر، إذا ركبت أجسَمَه، وتجشّمته إذا تكلّفته، وتجشّمت الأرضَ إذا أخذتَ نحوها تريدها، وتجشّمت الرملَ: ركبت أعظمه. أبو النضر: تجشَّمتُ فلانا من بين القوم؛ أي: قصدتُ قصدَه. «لسان العرب، ج ١٢، ص ١٠٠ (جشم)» .