ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٤٦٠
حثَّ أوّلاً على أن يَدعو العبدُ ربّه ويَذكره سرّاً ؛ فإنّه أبعد من الرياء والسمعة ؛ قال تعالى في ذكر زكريّا : « إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيًّا » [١] ، و«الذِّكر» يكون نقيض النسيان ، والذي في الحديث هو باللسان وهو الثناء على اللّه ، لا الذي بالقلب فهو خافٍ لا يَعلمه غير اللّه . وقال عليه السلام : «إنّ الذِّكر الذي لا يسمعه الحفَظَة يضاعَف على الذي تسمعه سبعين ضعفاً» . [٢] والرزق إذا كان كثيراً أو قليلاً يطغى العبد أو يشقى ، والكفاية نِعمَ الرزق . وقيل : هو قوت يوم بيوم ولا تهتمّ لرزق غدٍ . ثمّ دعا إلى الخفّة في أداء العبادة مع الكمال ؛ فإنّها تورث النشاط ، والعبادة مع النشاط أسرع إلى القبول . ثمّ أمر باتّخاذ المجالس واسعة ؛ لأنّها إذا كانت ضيّقةً يتبرّم الإنسان بمجلس العلم ، و[مجلس] الدرس إذا كان ضيّقاً يمنع عن حسن التفهّم وتمكّن الاستماع ، وإذا كان المجلس في المأدبة والمائدة فإنّه يقطع الناس عن لذّة الطعام ضيقه ، فلهذا جعل خيرها في سعتها ؛ لئلّا يكون الناس في مشقّةٍ . وروي أنّ أبا سعيد الخدري دخل مجلس قومٍ ، فقام بعضهم ليجلس هو في مجلسه ، فتنحّى وجلس في مكان واسعٍ ، وذكر الخبر . [٣] ثمّ قال : إنّ هذا الدِّين بأسره سهلٌ ليس فيه إصرٌ ولا ثقل كما كان على بني إسرائيل ، وخير النكاح أخفّهُ مؤونةً ، وأقلّه صداقاً ، وأحسنه معاشرة . وقيل : أيسر النكاح هو أن يسرع للخاطب الإجابة إذا خطب . ثمّ قال : خيرُ صَدَقةٍ يتبرّع بها على غير عوض هو ما يكون عن كفاية عيلته ، لم يرد به الغنى في العرف ، ولا الغِنى الذي هو تلك النصاب ، و«الظهر» قد يُراد في مثل هذا إشباعاً للكلام .
[١] مريم (١٩) : ٣ . [٢] مسند أبي يعلى ، ج ٨ ، ص ١٨٢ ، ح ٤٧٣٨ ؛ الجامع الصغير ، ج ١ ، ص ٦٦٨ ، ح ٤٣٥٢ ؛ كنزالعمّال ، ج ١ ، ص ٤١٤ ، ح ١٧٥٠ ؛ تذكرة الموضوعات ، ص ٥٤ . [٣] راجع: السنن الكبرى، ج ٣، ص ١٩٤؛ صحيح إبن خزيمة، ج ٣، ص ١٥٠ .