ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ١٩٤
وأصل الخبر الثالث ما روي أنّ النبيّ عليه السلام مرَّ على جماعة من الصبيان يلعبون بالتراب فنهاهم واحدٌ من أصحابه ، فقال عليه السلام : «أمسك ؛ فإنّ التراب ربيع الصبيان» أي : كما يفرح الرِّجال في الفصل الذي قد أدركت الثمار فيه وهو الربيع ، و كذلك الصبيان إذا وجدوا التراب يفرحون للّعب [١] به . فالربيع عند العرب اثنان : الأوّل : هو الفصل الذي يأتي فيه النور ، والثاني : الذي تدرك فيه الثمرات . ولكليهما يُقال ربيع الأزمنة ، والخبر إشارة إليه . وقيل : شبّه التراب لهم بالربيع ؛ لسلامتهم من الخطأ والعصيان . وقد تُعُسِّف في تفسيره بأن قيل : هو إشارة إلى أنّ العاقل لا يغترّ بالدُّنيا ولا يفرح بالعقار ، القصور والدِّيار ؛ فإنّ الفرح بالتراب من شأن الصبيان . وتقدير الخبرالرابع: «أصحاب الأرواح»، فحُذف المضاف، واُقيم المضاف إليه مقامه؛ وإنّما قلنا ذلك لأنّ التعارف والتناكر لا يصحّان على الأرواح ؛ لأنّ الروح هو الريح. وروي : «إنّ القلوب لأجناد مجنّدة» [٢] ، والعرب تُضيف الفعل إلى الجارحة فتقول : قلبي يُحبّك ، وعيني تُبصرك ، ورجلي تمشي إليك ، والمراد بجميع ذلك خلاف ظاهره ؛ لأنّ المكلّف الفعّال هو هذه الجملة المشاهدة التي تتردّد في مجاريها الروح ، وجَعَلَ أجزاءها الحياة في حكم الشيء الواحد . والمعنى أنّ الشكل الحقيقي طالب للاتّصال ، فإذا وحَّده امتزج به كالمائين إذا اختلطا صارَ واحداً ، والإنسان إذا عاين ما يشاكله اتّصل روحه بروحه ، يتصادقان ويَسُرّ كلّ واحدٍ منهما بصاحبه ، فيتّفقان على شهوة واحدة ومرادٍ واحد وحالٍ واحدة . وقيل : هذا إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشرّ والصلاح والفساد ؛ فإنّ الخيِّر من الناس يحنّ إلى شكله ، والشرّير يميل إلى نظيره ومثله ، فإذا تعارف الناس وكانت طباعهم متقاربة تألَّفوا ، وإذا لم يتعارفوا أو تعارفوا واختلف أخلاقهم تنافروا وتناكروا ، ولهذا صار الإنسان يُعرف بقرينه .
[١] في المخطوطة : «للعبا». [٢] البداية والنهاية ، ج ١٠ ، ص ٢٤٩ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ج ١٣ ، ص ٤٣٤ ؛ كشف الخفاء ، ج ١ ، ص ١١٢ .