ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٢٧٤
٣٧٢.يُعْجِبُ رَبُّكَ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ .[١]
إنّما حَسُنَ أن يُقال : «إنّ الجنّة حفّت بالمكاره» على سعة الكلام ، ولمّا كانت الأفعال المفضية إلى دخول النار في الأغلب كثيرة الملاذ حسن أن يُقال : إنّ النار حفّت بالشهوات . والمراد أنّ جميع الأفعال الموصلة إلى الجنّة يتحتّم فعلها على الكره يقول اُطيف حول الجنّة [بكلّ ]مكروه واُطيف حول النار بكلّ شهوة ؛ يعني : أنّ مقاساة المكاره واحتمال الشدائد والأوصاب[٢] والمصائب عمل أهل الجنّة ، و أحوالهم التي لا تنزع عنهم ليلاً ولا نهاراً ، والإدلال بالشهوات وقضاء النَّهْمة [٣] وبلوغ الوَطَر [٤] على اُمنيَّة النفس عمل أهل النار وعليه أحوالهم . وفي هذا المعنى يتأوّل قوله تعالى : « وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ » [٥] الآية ، وروي في سببه: «أنّ اللّه تعالى لمّا خلق الجنّة قال لجبرئيل عليه السلام : اخرج وانظر إليها وفيها ، فرجع وقال : يا ربّ لا يَسمع به خلقٌ إلّا ويجتهد في دخولها ، ولمّا خلق النار أمره أن يخرج ويراها ، فانصرف وقال : يا ربّ ، لا يسمع بها أحدٌ إلّا ويهرب منها» . [٦] ثمّ حفّت الجنّة بالمكاره والنار بالشهوات ، ثمّ أمر جبرئيل أن يخرج ويتأمّل ما حولها فأحسّ جميع ذلك وقال : «يا ربّ ، إنّي أخافُ أن يدخل الخلائق النار كلّهم ، ولا يدخل الجنّة أحدٌ» ! وهذا كلّه على سبيل المثل والمجاز . وحبّ اللّه للعباد أن يريد إثابتهم ، كما أنّ الغضب منه تعالى إرادة الانتقام من العُصاة ؛ يقول : استوجب هذه
[١] مسند الشهاب ، ج ١ ، ص ٣٣٦ ، ح ٥٧٦ ؛ مسند أحمد ، ج ٤ ، ص ١٥١ ؛ مسند أبي يعلى ، ج ٣ ، ص ٢٢٨ ، ح ١٧٤٩ ؛ المعجم الكبير ، ج ١٧ ، ص ٣٠٩ ؛ الجامع الصغير ، ج ١ ، ص ٢٧٦ ، ح ١٧٩٩ ؛ الكامل ، ج ٤ ، ص ١٤٧ ؛ كشف الخفاء ، ج ١ ، ص ٢٤٦ ، ح ٧٤٨ ؛ و ج ٢ ، ص ٤ ، ح ١٥٣٠ . [٢] الأوصاب : الأسقام ، واحده : وَصَب . «لسان العرب ، ج ٦ ، ص ٧٩٧ (وصب)» . [٣] النَّهْمة : الحاجة . وقيل : بلوغ الهمّة والشهوة في الشيء . «لسان العرب ، ج ١٢ ، ص ٥٩٣ (نهم)» . [٤] الوَطَر : كلّ حاجة كان لصاحبها فيها همّة ، فهي وَطَرُهُ . «لسان العرب ، ج ٥ ، ص ٢٨٥ (وطر)» . [٥] البقرة (٢) : ٢١٦ . [٦] لم نعثر على الخبر في موضع .