ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٤٨٤
فلا يُقال إلّا هَلَعَ فهو هَلِعٌ وهَلوع . وقوله : «أعمى العمى الضلالة بعد الهُدى» ؛ هذا في حقّ مَن وُلد على فطرة الإسلام ، يكون أبواه مؤمنَين ، فيولد في دلّة [١] الإسلام فيسمع ويرى ، فإذا كان عند بلوغه اختار الكفر ولا ينظر في الدليل ، فحكمه الارتداد الذي لا مستتاب منه ، بل يُقتل عند إظهار الكفر ، فقال : لا ضلالة أعمى من ضلالته . ومن كان كافراً ، ثمّ دخلَ في الإسلام تقليداً ، ثمّ ارتدّ ؛ فإنّه يُستتاب ، فإن لم يرجع ضُربت عنقه . فحالهما الضلالة بعد الهدى على ظاهر الحال ، ولم يكونا في الحقيقة قطُّ مؤمنين هاديين . فأمّا من كان على الهدى بالتحقيق فلا يضلّ أبداً ولا يكفر وإن قدر على ذلك ، وقد يقع من المهتدي الذنوب . قال الصادق عليه السلام : «المذنب مِن شيعتنا كالنائم على المحجّة إذا انتبه لزم الطريق» . [٢] وقيل : الذين انصرفوا عن الطريق لا عن الرفيق لو فصلوا لانفصلوا [٣] ، ويجوز أن يكون المعنى الفسق بعد العفّة؛ لأنّ التهتّك من أعمال الضلالة، والتصوّن من أعمال الهدى. ووَصفُ العَمى بالأعمى مبالغة ، كما يُقال : جُنَّ جنُونه ، وإلّا فالجنون لا يجنّ . ثمّ بيَّن أنّ من جملة أعظم كلّ خطيئه اللسان الذييكثر الكذب، فحذف المضاف. ثمّ رغّب في الصوم ، ونهى عن كثرة الأكل فقال : لا يفعل ابن آدم مع نفسه فعلاً شرّاً عليه من أن يملأ بطنه . وروي : «البِطنة تُذهب الفِطنة» [٤] ؛ أي : لا تفعلوا ذلك ؛ فمن مَلأ بطنه تثاقل عن الطاعات ، فالأولى أن لا يزيدوا على إمساك الرمق . «يحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث طعام ، وثلث شراب ، وثلث لنفسه» . [٥]
[١] الدَّلَّة : المنّة ، والدَّلُّ قريب المعنى من الهَدْي ، وهما من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك» . «لسان العرب ، ج ١١ ، ص ٢٤٨ (دلل)» . [٢] لم نعثر عليه في موضع . [٣] في المخطوطة : «فانفصلوا» ، والظاهر أنّه تصحيف . [٤] كنزالفوائد ، ص ١٩٦ ؛ بحارالأنوار ، ج ٦٣ ، ص ٣٣١ ، ذيل ح ٤ ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج ١٩ ، ص ١٨٦ . [٥] سنن الترمذي، ج ٤، ص ١٨، ٢٤٨٦. المستدرك للحاكم النيسابوري، ج ٤، ص ١٢١. بحار الأنوار، ج ٦٣، ص ٣٣١، ح ٤.