ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٤٥٤
والأحسن أن يكون معناه : من لم يقم على أوامر القرآن ونواهيه وأحكامه ولم يتّخذه منزل مقامٍ فليس منّا ؛ أي ليس على ديننا ، ويكون «يتغنّى» مِن غَنِيَ الرجل بالمكان إذا طال مقامه ؛ قال تعالى : « كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا » [١] أي لم يقيموا فيها . ومن تعدّى القرآن إلى السنّة فما تجاوز القرآنَ إلى غيره ؛ لأنّ القرآن دالٌّ على وجوب اتّباع السنّة ؛ قال : « وَ مَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ » [٢] ، ويجوز أن يكون «يتغنّى» بمعنى يستغني ؛ أي : مَن لم يستغن بالقرآن عن التوراة فليس منّا ؛ فإنّهم كانوا يسألون اليهود ، حتّى قال النبيّ عليه السلام : «أ متهوّكون أنتم؟» قال : يا رسول اللّه ، إنّا نسمع أحاديث من يهود ، تعجبنا ، أفترى أن يكتُبَ بعضها؟ فقال : «أمتهوِّكون أنتم ، كما تهوّكت اليهود والنصارى؟! لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة ، ولو كان موسى حيّاً ما وسِعَه إلّا اتّباعي» . [٣] والتهوّك : الاضطراب على غير استقامة ، والضمير في «بها» للملّة الحنيفية . وقوله : «ليس منّا من لم يُوقّر الكبير» ، فمعناه : ليس على سنّتنا من ترك هذه الأشياء الأربعة مع القدرة عليها ، وهو ترك مراعاة مَن هو أكبر منه بالوقار وترك عناية من هو أصغر منه بالرحمة والشفقة ، والإعراض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع التمكين . ونَمَى الخبر : بلّغه ورفعه على وجه الإصلاح ، وأنمى الخبر : رفعه وبلّغه على وجه الإفساد . والخبر رخصة بأنّ مَن يصلح بين رجلين مُسلمين يقول : إنّ فلاناً يستحيي منك ويعتذر ، أو به يبلغ من هذا إلى هذا من غير إذن منهما قولاً حسناً تكلّما به؛ لينسلّ من قلب [٤] أخيه المسلم السخيمة فلا يكون نمّاماً ولا آثماً .
[١] الأعراف (٧) : ٩٢ . [٢] الحشر (٥٩) : ٧ . [٣] الفائق في غريب الحديث، ص ٤١١؛ تفسير الثعلبي، ج ٢، ص ١٢٧. معاني الأخبار، ص ١٨٣؛ الدعوات للراوندي، ص ١٧٠؛ بحارالأنوار، ج ٣٠، ص ١٧٩، ح ٣٩ . [٤] في المخطوطة: «قلة»، والظاهر أنّه تصحيف في الكتابة .