ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٦٤
أخبر أنّ الأحكام تُثبت الأعمال في الشريعة بالنيّات . وأمّا مشكلاته : فالعمل : كلّ فعل فيه بعض الأحكام ، وتلحق فاعله المشقّة في فعله ، ولا يجري على اللّه لهذا . وللفعل أحوال يختلف عليه الأسماء لاختلافها ، أعمّها «الفعل» وهو ما وجد بعد أن كان مقدوراً . ثمّ «الصُّنع» وهو الفعل المحكم ، ويجري على اللّه كلاهما وعلينا . ثمّ «الخلق» وهو إخراج المقدور من العدم إلى الوجود على ضربٍ من التقدير ، ولا يطلق إلّا على اللّه ؛ لمنع سمعي ، ويستعمل فينا مقيّداً ، يُقال : خلقتُ الأديم ، أي قدّرته ، وكذلك يسمّى الإرادة عزماً وتوطيناً للنفس إذا كانت متقدّمة على الفعل ، ويسمّى قصداً وإيثاراً واختياراً إذا كانت مقارنةً للفعل بشرط أن يكون من فعل المريد . فإنْ قيل : لِمَ لم يقل : الأفعال بالنيّات؟ قلنا : الأعمال يختصّ بالمعالجات بالجوارح ، والأفعال يُنسب إلى القلوب وإلى الجوارح وإلى اللّه تعالى ، فلو كان الخبر على الصيغة التي سُئل عنها لكان فيه إثبات النيّة للّه ، وهي مُستحيلة عليه تعالى في جميع أفعاله . ويلزم أنْ يكون لكلِّ فعلٍ من أفعال القلوب نيّة حتّى يجب لكلّ إرادة إرادةٌ ، فتؤدّي إلى ما لا نهاية . على أنّ الحثّ منه عليه السلام لاُمّته على أن يكون أعمالهم الظاهرة التي يدخل فيها الرياء والسمعة خالصة للّه ، طالبين بها رضاه ورحمته ، ولا يكون كذلك إلّا من نيّة صحيحة . و«الأعمال» رُفع بالابتداء ، وخبره على التحقيق هو الذي تعلّق حرف الجرّ به ، وتقديره : الأعمال واقعة أو صحيحة بالنيّات ، والجارّ والمجرور في موضع الرفع ؛ لوقوعه موقع خبر المبتدأ ، ويجوز أن يكون التقدير : وقوع الأعمال موقع الصحّة والقبول بالنيّات ، و : الأعمال واقعة موقع الصحّة بالنيّات . وسبب الخبر : أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله لمّا هاجر إلى المدينة ، فهاجر بعضهم لرضا اللّه ، وبعضهم لغرض دنيوي من تجارة ونكاح ومال ، فأطلعه اللّه عليه ، فقال : «الأعمال