ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٤٣٠
ثمّ إنّ اللّه يَكره اللَّعب في الصلاة نحو مسّ اليد باللِّحية والالتفات يميناً وشمالاً ، ولهذا قال عليه السلام : «لو عَلم المُصلّي مَن يُناجي ما التفت» . [١] ويكره إذا كنتم صائمين أن تتكلّموا بالرفَث وهو اللغو والباطِل والخَنا [٢] والفحش ، ويكره أن تستخفّوا بمواضع القبور محلّ العبرة ، فلا يضحك أحد هناك إلّا من فرط الجهل . ثمّ قال : إنّ اللّه ناهٍ لكم عن ثلاثة أشياء ؛ عن حكاية أقاويل الناس فيقولوا : قال فلان كذا ، وفعل كيت ، وكان فيما مضى كذا وكذا ، ما لا عظة فيه ولا فائدة ، أو يقولوا : قيل كذا ، ما لا يقين معه ، وناهٍ عن الإسراف في النفقة ووضعِهِ في غير موضعِهِ ، وناهٍ عن سؤال الناس والاستكثار منه على سبيل الشره والجَشَع [٣] . وقيل : هو سؤال الناس عن العلم تعنّتاً . و«الغيرة» : الحميّة على الأهل والقرابات ، يقول : إنّ اللّه يَكره أن يَنظر أحدٌ إلى زوجة آخر نظر ريبةٍ غيرةً وحميّةً ، فليَغَرْ أحدكم على شيء من ذلك ، وليحفظ النساء ، ولا يتركهنّ يخرجن . وقيل : معناه : أنّ اللّه ينتقم [من] الظالم للمظلوم ، فينبغي للعبد أن ينتقم من نفسه لنفسه ؛ فإنّه تعالى يُمهِل ولا يُهمِل . وقيل : يعني : إنّ اللّه زَجَرَ العبد عن المعاصي ، فينبغي للعبد أن ينزجر عن نواهيه . ثمّ بيّن أنّ الرحمة في القلب دليل الرحمة من الربّ ، وقيل : رحمة العبد على نفسه بلزوم طاعة ربّه أولى من رحمته على غيره ، ومَن رَحِمَ على نفسه رَحِمَ على غيره ، ومن لا يكون كذلك لا يرحمُه اللّه ، و«الرُّحماء» : الذين يبذلون النصيحة ويستعملون الشفقة .
[١] نصب الراية للزيلعي، ج ٢، ص ١٠٠؛ الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر، ج ١، ص ١٨٢، ح ٢٣٢؛ تفسير إبن العربي، ج ٢، ص ١٢٧ . [٢] الخَنا: من قبيح الكلام، والفحش في القول. «لسان العرب، ج ١٤، ص ٢٤٤ (خنو)» . [٣] الجَشَع: أسوأ الحرص، وقيل: هو أشدّ الحرص على الأكل وغيره، وقيل: هو أن تأخذ نصيبك وتطمع في نصيب غيرك. «لسان العرب، ج ٨ ، ص ٤٩ (جشع)» .