ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٤٢٤
حذّر أوّلاً عن الركون إلى الدُّنيا تنبيهاً ، فكلّ ما يُنفقه المؤمن له فيه أجر ، إلّا ما يَبني به القصور ومواضع اللهو . ثمّ خوّف اُمّته عن فعل الحسد وطاعته والأخذ بتسويله الباطل ؛ لكي يردع المرء عن محائل الحسد ، وإلّا فهو لا يفسد على نفسه ما اكتسب من الحسنات ، وكلّ ذلك مجاز، كما أنّ الأكل منه مجازٌ ، والحسد مأخوذ من قولهم حسد الأطوص[١] وجه الأرض إذا قَشَرَه ، فكان الحاسد يَقشِر أو يشتري زوال ما عندك . وقوله : «ليأكل» لِيُبْطِل . ثمّ نهى عن الغيبة والنميمة والكذب وغير ذلك من أكل الحرام . ونهى عن المباشرة بالفرج حراماً وسفاحاً ، وبيّن أنّ هذين أعظم عقوبةً من الذنوب الاُخرى . [٢] ثمّ جعل الإسلام غريباً في أوّل أمره تشبيهاً بالرجل الغريب الذي قلَّ نصّاره وبعُدت دياره ؛ لأنّ الإسلام كان على هذه الصفة في أوّل ظهوره ، ثمّ استقرّ قواعده ، ويعود إلى مثل الحال الاُولى في قلّة العاملين بشرائعه فينمحي آياته ؛ فيبيِّن أنّ الإسلام حين بدأ كان قليلاً وهو في آخر الزمان قليلٌ . وقيل : معناه أنّ الدِّين لم يُرغب فيه أوّلاً ، ثمّ بدأ وظهر وعلا على الأديان كلّها ، ثمّ لا يزال يَنقص حتّى يكون غريباً لا يرغب فيه ولا يجتمع عليه ، كذلك المؤمن في آخر الزمان . ثمّ قال : الفتنة كائنة لا محالة ، فيقلع العباد من اُصولهم ومواضعهم ، ويبير بهم في الآفاق ، وينجو العالم بإخلاصه من تلك الفتن . وإنّما خصّ العباد دون الناس لأنّ أكثر الفتن تصيب من كان عابداً مطيعاً للّه ؛ قال تعالى : « وَ عِبَادُ الرَّحْمَـنِ الَّذِينَ
[١] هذه الكلمة غير واضحة، وقد تقرأ كما في المتن، وقد تقرأ: «الأطوس» وغيرهما. [٢] في المخطوطة: «الآخرة»، والظاهر أنّه تصحيف في الكتابة .