ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٣٨٦
ويجوز أن يكون معناه: لن يهلكوا حتّى يُعذروا أنفسهم بذنوبهم، و«مِن» للتبعيض؛ أي: يعذرون بعض جنايات أنفسهم ، وإمّا زيادة ، وما حسن أن يعذر المرء نفسه. وروي بضمّ الياء وكسر الذال ، و «أعذر» : اجتهد في العذر ، وقرئ : « وَجَآءَ الْمُعَذِّرُونَ » أي الذين يجتهدون في العذر ويبالغون به ؛ أي : لا يهلكون حتى يعذروا من أنفسهم لاستيجابهم العقوبة ، ونحو [١] قوله تعالى : « وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » [٢] . وجعل عليه السلام في الخبر الثاني شرائط استقامة أسباب وأحوال إيمان كلّ عبدٍ باستقامة قلبه وسكونه وطمأنينته بالرِّضا على ما يَجري عليه من الأحكام والقضايا ، وجَعَلَ استقامة القلب باستقامة اللِّسان وقلّة خوضه فيما لا يعنيه ، و«الاستقامة» درجة بها كمال الاُمور وتمامها ، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ، ومن لم يكن مستقيماً في سكون قلبه مع الإيمان لم يعدّ عمله عملاً يرجع إلى الاحماد [٣] والرضا . وبيان ذلك فيما قال عليه السلام في خبر آخر : «إذا أصبح ابن آدم أصبحَت الأعضاء كلّها تقول للِّسان : اتّق اللّه فينا ؛ فإن استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا» . [٤] ثمّ قال : لا ينال عبدٌ الدرجة العظمى من درجات الإيمان حتّى أتى بهذه الخصلة الحميدة ، وهي أن يحبّ لأخيه المؤمن ما يحبّ لنفسه من كلّ خيرٍ . ثمّ قال : و لا يَصِلُ عبد حقيقة التصدّق [٥] حتى يتحقّق أنّ ما أصابه من الصحّة والمرض والفقر والغنى والحياة والموت كلّه من اللّه لا يدافعه أحدٌ ، لا أنّ الكافر لا يمكنه أن يؤمن ولا العاصي أن يطيع ؛ فإنّه تعالى يقول : « وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْاءِنسَ إِلَا لِيَعْبُدُونِ » [٦] .
[١] في المخطوطة : + «إلّا» . [٢] الإسراء (١٧) : ١٥ . [٣] كذا يقرأ في المخطوطة . [٤] التمهيد لابن عبد البرّ ، ج ٢١ ، ص ٤٠ ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج ١٠ ، ص ١٣٦ . [٥] كذا في المخطوطة ، والظاهر أنّ الشارح أراد : «التصديق» . [٦] الذاريات (٥١) : ٥٦ .