ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٢٩٩
كان في الشرعيّات فإنّه بظاهره يحمل على الوجوب ولا يحمل على الندب إلّا بقرينةٍ ، وإن كان أمراً في العقليّات فإنّه مشترك بين الإيجاب والاستحباب ، ولا يُحمل على أحدهما إلّا بدلالة اُخرى منفصلة ، فإذا علمت ذلك فتدبّر هذه الأوامر . كذلك حثَّ عليه السلام أوّلاً على إعانة المسلمين ؛ معناه : اُنصروا أخاكم المسلم بالشفاعة والعون والتأييد في نوائبه وقضاء حوائجه ؛ لتجدوا أجر ذلك وثوابه من اللّه في العاجل والآجل . وروي : «سافروا وأنفقوا ، وصوموا تصحّوا» [١] ، والمعنى واضح ؛ لأنّ في السفر في بسيط الأرض إصابة الغنيمة . وقد يكون السفر مصحّة ؛ لأنّ فيه اضطراباً وانتقالاً وتحرّكاً واحتمالَ مشقّات يطرد الداء من البدن ، والصوم سبب الصحّة لأنّه أكبر الدواء الأزم. [٢] وقيل : السفر على قسمين : سفر بالبدن وهو الانتقال من بقعة إلى بقعة ، وسفر بالقلب وهو الارتقاء من المعاصي إلى الطاعات ومن صفة النقص إلى صفة الكرامة . وترى ألفاً يسافر بنفسه وقليل من يسافر بالقلب . معناه : سافروا بقلوبكم نحو طاعة اللّه تسلموا وتغنموا فوائدها . وقال أبو بكر الشِّبلي [٣] : «سافروا إلى اللّه تجدوا ثوابه في أوّل قدم» . [٤] ثمّ قال : عامِلوا أنفسكم باليُسر دون العُسر ، وعاشروا الناس على ميسور دون المعسور . وفيه الأمر بالرفق مع كلّ أحدٍ سيّما إذا كان جاهلاً ، والأمرُ بالمداراة مع النفس في حملها على الطاعات ؛ فإنّ اللّه يُريد بكم اليُسر ولا يُريد بكم العسر .
[١] راجع : الدعوات ، ص ٧٦ ، ح ١٧٩ ؛ عوالي اللئالي ، ج ١ ، ص ٢٦٨ ، ح ٧٠ ؛ الجامع الصغير ، ج ٢ ، ص ١٠٣ ، ح ٥٠٦٠. [٢] الأزم: الحمية. انظر: الصحاح، ج ٥، ص ١٨٦١ (أزم). [٣] دُلف بن جَحْدُر، وقيل: جعفر، و قيل: جعفر بن يونس، وقيل غير ذلك، أبوبكر الشِّبلي البغدادي الصوفي أصله من الشِّبليّة في قرى اُشر وسنه بماوراء النهر. ولد بسامراء و أقام ببغداد. صحب الجنيد البغدادي و عكف على العبادة. توفّي ببغداد سنة أربع وثلاثين وثلاثمأئة. راجع: طبقات الصوفية، ص ٣٣٧؛ حلية الأولياء، ص ١٠ ـ ٣٦٦. [٤] لم نعثر على قوله في موضع .