ضياء الشهاب في شرح شِهاب الأخبار - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٢٩٢
يريد إفراط التقصير في حقّ الحقّ ، ونبْذنا الوجوب من وراء الظهور ، وحذّرنا من هذه الغفلة ؛ أي : قد تركنا الحقّ حتّى كأنّه غير واجب ، ونسينا الموت وأهواله وشدائده ؛ فكأنّه على غيرنا مكتوب . ومعنى «كُتِبَ» حُكِمَ وقُضي واُوجب ؛ كما قال : « كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » [١] ؛ أي : أوجب . وكأنّ الموتى الذين سقناهم إلى قبورهم قوم مسافرون عن قليل يرجعون إلينا ، لا نستشعر خوفاً لهم ولا لأنفسنا ، ونطيّب قلوبنا بمفارقتهم كأنّا نطمع في رجوعهم . ومفهومه : ما هذه الرَّقْدَة التي لا ينتبهون عنها بنوع من الحوادث والنوائب؟ فكأنّهم يتحقّقون أنّ هذا لم يكن ، ولا يكون منزل موتانا قبورهم ، ونأكل [٢] بمِلْ ء الفم ميراثهم كأنّا مبقون بعد موتانا ، و«المبوّأ» : المنزل الملزوم ، و«الأجداث» : القبور ، و«سَفْر» : جمع سافر ، كصَحْب وصاحب . لا نتذكّر كلمةً نتّعظ بها ، ولا نخافُ آفةً سماويّة ؛ فنحن ناسون لكلّ وعظٍ ، وآمنون من كلّ بلاء . و«الواعظة» : الكلمة الزاجرة ، و«الجائحة» : الآفة المهلكة ، يُقال : جاحهم ؛ أي : أصابهم المكاره والآفات . ويتّصل بهذا الحديث ما بعده إلى قوله : ولم يعدها إلى بدعة .
٤٠٠.طُوبى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ ، وَأَنْفَقَ مِنْ مَالٍ اكْتَسَبَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ ، وَخَالَطَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ ، وَجَانَبَ أَهْلَ الذُّلِّ وَالْمَعْصِيَةِ ، طُوبى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ وَحَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ ، وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ ، وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ ، وَلَمْ يَعْدُهَا إِلى بِدْعَةٍ .[٣]
[١] الأنعام (٦) : ٥٤ . [٢] في المخطوطة : «يأكل» ، والظاهر أنّه تصحيف . [٣] مسند الشهاب ، ج ١ ، ص ٣٥٨ ، ح ٦١٣ ؛ حلية الأولياء ، ج ٣ ، ص ٢٠٢ ؛ مجمع الزوائد ، ج ١٠ ، ص ٢٢٩ ؛ نزهة الناظر وتنبيه الخاطر ، ص ٣٦ ، ح ١٠١ ؛ الكامل ، ج ١، ص ٣٨٤ ؛ و ج ٧ ، ص ٨٢ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ج ٥٤ ، ص ٢٤٠ ؛ الجامع الصغير ، ج ٢ ، ص ١٣٧ ، ح ٥٣٠٦ ؛ كنزالعمّال ، ج ١٦ ، ص ١٢٥ ، ح ٤٤١٥٠؛ كشف الخفاء ، ج ٢ ، ص ٤٦ ، ح ١٦٧٣ . تفسير القمّي ، ج ٢ ، ص ٧٠ ؛ كنزالفوائد ، ص ١٧٨ (مع الاختلاف في الثلاثة الأخيرة) ؛ بحارالأنوار ، ج ١ ، ص ٢٠٥ ، ح ٣١ ؛ و ج ٧٨ ، ح ٢٦٨ ، ذيل ح ٢٧ ؛ مستدرك الوسائل ، ج ٢ ، ص ٣٧٨ ، ح ٢٢٣٧ (وفي الثلاثة الأخيرة عن كنزالفوائد) .